الموقف الأميركي من الثورة السورية.. سياسة رخوة أنتجت كارثة

بحلول نهاية الصيف الحالي، سيُشغل الأميركيون بشؤونهم الانتخابية، وفي مثل هذه الأيام من العام المقبل، سيستقرّ حال الرئيس الأميركي الجديد المُنتخب، ويكون قد أنهى دراسة ملفاته الداخلية والخارجية؛ ليبدأ -بعدها- تنفيذ محدِّدات المؤسسات الأميركية لطبيعة السياسة الخارجية للسنوات الأربع المقبلة، وهذا يعني أن لدى الروس سنة كاملة لينشطوا -شبه منفردين- في ملعب الشرق الأوسط بالغ الحساسية.

 

وهذا الاستحقاق الأميركي الداخلي سينعكس على العديد من أزمات المنطقة العربية عمومًا، وعلى الأزمة السورية خصوصًا، التي تُعدّ الأكثر استعصاءً بين تلك الأزمات، ولا سيّما في ظل الغموض، وعدم الوضوح، الذي اتّسمت به السياسة الخارجية الأميركية طوال فترتي حكم الرئيس الأميركي باراك أوباما، وسينعكس خصوصًا على الموقف الروسي من المسألة السورية، فحتى نهاية الصيف، تواجه هذه الأزمة في الغالب الأعم أحد احتمالين: إما أن يُسرّع الروس والأميركيون الخطى لحسم جميع الخلافات حولها بوجود الرئيس الأميركي الحالي، فيما لو كان هناك توافق على ذلك بين الطرفين، أو أن يواصلا سياستهما الحالية نفسها؛ لتأجيل الحسم إلى ما بعد استلام سيد البيت الأبيض الجديد مهماته، خاصة إن لم يكن هناك توافق مُرتّب وراسخ بين الدولتين الكبيرتين.

 

أربك غموض وتردد ومماطلة سياسة الإدارة الأميركية الخارجية جميع الأطراف المعنية بالمسألة السورية، وقد يساعد البحث في ركائز هذه السياسة على فهم أفضل للاحتمالات المقبلة.

 

الموقف الأميركي من الثورة

منذ انطلاق الثورة السورية في آذار/ مارس 2011، وطوال خمس سنوات، راقبت الولايات المتحدة التدخل الإيراني السلبي الباكر، متعدد الأشكال لدعم النظام السوري، سواء أكان اقتصاديًا أم سياسيًا أم عسكريًا، ولم يصدر عنها ما يفيد أنها ضدّه، ولم تحاول اتّخاذ أي إجراء للجمه، لدرجة توحي بأن الدور الأميركي ينحسر تدريجيًا لمصلحة تمددٍ وهيمنة إيرانية في البداية، ثم روسية لاحقًا. وقد تجلّى التدخل الإيراني بدعمٍ كبيرٍ للنظام السوري، والضغط على المعارضة السورية؛ لتطويعها ودفعها للتخلّي عن مطلبها الأساس بتغيير نظام الحكم، إلى مطالب مُهادِنة ذات سقف منخفض، تضمن بقاء النظام السوري ورأسه، لكنّه يبقى دعمًا غير كافٍ إن لم يترافق مع توافق أميركي.

 

وفي آب/ أغسطس 2011، وبعد سقوط نحو ستة آلاف قتيل في سورية، انتقد الرئيس أوباما رئيس النظام السوري بشدة، وأعلن أنه رئيس غير شرعي، لكن مستوى انتقاده لم يصل إلى درجة توجيه طلب إليه بالتنحي (كما في الحالة المصرية)، ولم يتّخذ إجراءاتٍ تترجم أقواله الرافضة لحكم الأسد إلى أفعال.

 

وفي آب/ أغسطس 2013 استخدم النظام السوري الأسلحة الكيماوية، في خرقٍ واضحٍ للخط الأحمر الذي حدّدته الولايات المتحدة، وحدثت مجزرة راح ضحيتها مئات الأطفال؛ ألّبت الرأي العام العالمي، لكن الروس سارعوا إلى توليف اتفاق -في الخفاء- مع الأميركيين؛ لمصادرة تلك الأسلحة ومنشآت تصنيعها، كان مكسبًا استراتيجيًا إسرائيليًا ـ أميركيًا مشتركًا؛ فأجهض الروس ضربة أميركية ـ فرنسية مشتركة، كادت أن تُغيّر مسار الأزمة السورية، ودفع هذا المكسب أوباما إلى عدم تغيير موقفه تجاه الأسد، وبقي تحت سقفٍ لم يتجاوز توجيه إدانات شفهية شديدة اللهجة وتحذيرية، لا تصل إلى مستوى التهديد الحقيقي، وتعامل النظام مع الصفقة على أنها ضوء أخضر أميركي للاستمرار في محاربة شعبه، لكن باستخدام الدبابات والطائرات الحربية، وغيرها من الأسلحة التقليدية، وفي الشهر نفسه من عام 2015، قارب عدد الضحايا السوريين النصف مليون ضحية، جلّهم من المدنيين، ودُمِّرت نصف البنى التحتية السورية، وعلى الرغم من هذا ظلّ موقف البيت الأبيض ثابتًا لا يتغير تجاه النظام السوري ورأسه.

 

وفي صيف عام 2014، أعلنت الإدارة الأميركية عن ترؤسها حلفًا دوليًّا لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية؛ لتتراجع مرتبة النظام السوري إلى الوراء في لائحة أولويات “القلق” الأميركي، مقابل اختيار إيران الحل العسكري على الأرض كحلِّ وحيدٍ، واختيار روسيا الاستفادة من الأعمال الحربية؛ لتغيير موازين القوى على الأرض، وإرغام المعارضة على قبول حلٍّ سياسيٍّ، يخدم مصلحة النظام، ويُساعد روسيا على تحقيق مصالح استراتيجية على الصعيد الدولي؛ وكل ذلك أدى إلى تعزيز موقف النظام السوري، مع أنه كان بإمكان الولايات المتحدة الإطاحة بنظام الأسد في وقتٍ مبكر، قبل ظهور تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

 

هذه السلبية الأميركية كانت واضحة في أكثر من موقف، فقد أعلنت -مثلًا- إدارة الرئيس أوباما، في آذار/ مارس 2015، عن مشروعٍ؛ لتدريب خمسة آلاف مقاتل من المعارضة السورية خلال السنة الأولى؛ وذلك في إطار برنامج قُدِّرت تكلفته بنحو نصف مليار دولار، وجرى حديث عن معسكرات تدريب في تركيا والأردن والسعودية، وبرامج للاستخبارات وأخرى للبنتاغون، لكن كل ما تمخّض عنه المشروع -في الواقع- هو تدريب 54 مقاتلًا، تعرضوا لهجماتٍ من جبهة النصرة، التابعة للقاعدة، منذ وصولهم إلى سورية، وسرعان ما فشل المشروع؛ بسبب عدم جدية الولايات المتحدة في إطلاقه.

 

لم تكن السياسية الأميركية هذه مُرضِية، لا للحلفاء الإقليميين، خاصة تركيا والمملكة العربية السعودية، ولا للمعارضة السورية على اختلاف طيفها، بل وحتى للأميركيين أنفسهم، ومن بينهم مسؤولون رفيعو المستوى، ومعاونون للرئيس أوباما؛ ففي تبريره لاستقالته المُبكرة، قال السفير روبرت فورد: “لأنني لم أعد أستطيع الدفاع عن موقف الإدارة، لأنه موقف لا يتفق أخلاقيًا مع القيم الأميركية، ولا سياسيًا على المدى البعيد؛ لجهة تزايد عدد القتلى والشهداء، وتمدد الأزمة إلى مستوى إقليمي أكبر، وفي الوقت نفسه هو فشل أخلاقي في سورية”.

 

وفي ظلِّ تراجع دور الولايات المتحدة في سورية، وجدت دول أخرى الفرصة ملائمة لتعزيز نفوذها فيها، وفي شرق المتوسط عمومًا، وبدأت دول إقليمية تخطِّط؛ كي تُحقِّق بعضًا من مصالحها في المنطقة طالما أن السياسة الأميركية تتيح ذلك، وكانت إيران على رأس تلك الدول، فقد بذلت كل جهدها؛ لمتابعة مشروعها الإقليمي القومي الذي تعمل عليه منذ عقدين من الزمن، والذي يحمل طابعًا طائفيًا، أطلق عليه الملك الأردني عبد الله بن الحسين، في عام 2004، مصطلح (الهلال الشيعي)؛ فمدّت النظام بالدعم السياسي والمالي، ثم بالأسلحة والمدربين والخبراء الاستخباراتيين والعسكريين، ومؤخرًا بمُقاتلين من الحرس الثوري الإيراني، وصولًا إلى تجنيد مرتزقة وميليشيات تابعة لإيران، لبنانية وعراقية ويمنية وأفغانية؛ لتُقاتل مع النظام كجزءٍ من منظومة القمع والعنف والحرب.

 

إلى ذلك عزّزت روسيا موقفها، وتشدّدت أكثر مما توقعته الأطراف الإقليمية والدولية، وتنامى نفوذها على حساب تراجع النفوذ الأميركي؛ فدعمت روسيا النظام بثلاثة قرارات (فيتو) في مجلس الأمن، عطّلت بها قرارات دولية كان من شأنها وضع حدٍّ للعمليات الحربية للنظام السوري، أو التخفيف من حدّتها وآثارها، كما أرسلت إليه السلاح والمساندة اللوجستية والتقنية، وغضّت الطرف عن تشكيله ميليشات مسلّحة غير نظامية، وغطّت على ارتكابه جرائم حرب، كما حاولت استقطاب بعض أطراف المعارضة السورية، في أكثر من مرحلة، من خلال الإعلان عن أنها غير متمسكة بشخص الرئيس السوري، وإنما بتماسك الدولة السورية، وأخيرًا، في 30 أيلول/ سبتمبر 2015، أعلنت عن بدء التدخل العسكري المباشر، وأقامت قواعد عسكرية دعمتها بخبراء ومقاتلين.

 

على الرغم من حصر الأمم المتحدة، وأميركا، التنظيمات المتشدّدة في سورية التي يمكن محاربتها بإثنين فقط، هما تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وجبهة النصرة، إلا أن روسيا، ومنذ الأيام الأولى لتدخلها العسكري المباشر، شرعت في قصف مواقع المعارضة السورية غير المصنفة في قوائم الإرهاب، باستراتيجية متطابقة مع استراتيجية النظام السوري.

 

إنّ هذا التدخل الروسي لم يُقابل إلا بـ (امتعاض) أميركي، وأردفت أميركا انتقادها المتواضع بإعلانها التنسيق مع الروس؛ لمنع احتمالات التصادم بين الطائرات فوق سورية، كما شدّدت على أن الخطوة الروسية “لن تؤثر على التعاون مع روسيا لمعالجة الاضطرابات في المنطقة”، وفق ما قاله المتحدث باسم البيت الأبيض “جوش إيرنست” في أيلول/ سبتمبر 2015، في عقب التدخل العسكري الروسي مباشرة، والذي أضاف بأن الولايات المتحدة “لا تزال مستعدة -أيضًا- لإجراء مناقشات تكتيكية وعملية مع روسيا بشأن محاربة الدولة الإسلامية في سورية”.

 

لقد اعتمدت الولايات المتحدة في سورية على تحقيق توازن عسكري، بحيث لا يُهزم أحد عسكريًا، وفق صيغة “لا غالب ولا مغلوب” التي ردّدها المبعوث الأممي “ستيفان دي مستورا”، غير مرّة، في معرض حديثه عن طبيعة الحل المرتقب للمسألة السورية، فكانت تسمح للدول الحليفة للمعارضة السورية بتقديم السلاح وفق تقنين دقيق ومدروس، تزيده وتنقصه وفق زيادة قوة أو ضعف النظام السوري وحلفائه، وهذا التوازن جزءٌ من سياسة أوباما الخارجية التي مارسها منذ عام 2008، وأعلن عنها العام الماضي.

 

سياسات أوباما الخارجية

منذ أن كان أوباما عضوًا في مجلس الشيوخ لم تكن لديه اهتمامات بالسياسة الخارجية، أو بالأصح، كانت لديه نظرة غير تقليدية، تميل إلى عدم تورّط الولايات المتحدة بمعارك خارجية، مع رغبة في تحميل التكاليف المادية والعسكرية للآخرين كلّما أمكن ذلك، وبعد استلامه ولايته الأولى أفهم المجتمع الدولي أن عدم اكتراثه بمعارك الآخرين مستمر، وانعكس هذا على محدودية زياراته الخارجية.

 

خلال ولايتيه، لم يُمرّر أوباما أغلبية اقتراحات وزيري خارجيته: هيلاري كلينتون (الولاية الأولى) وجون كيري (الولاية الثانية)، المتعلقة بالسياسة الخارجية، كاقتراح تسليح المعارضة السورية (كلينتون) واقتراح توجيه ضربات جوية لإضعاف النظام السوري (كيري)؛ ما دفعهما إلى التعامل مع المسألة السورية، والانتقال السياسي في دول الربيع العربي عمومًا، بتناقض أحيانًا، وسلبية أحيانًا أخرى.

 

أمّا في تموز/ يوليو 2015، فقد أصدر الرئيس أوباما (استراتيجية الأمن القومي)، أكّد فيها أن قوة الولايات المتحدة متولِّدة من قوة اقتصادها، و”خروجها من الحروب البرية الكبرى في العراق وأفغانستان”، وحدّد سياسة الولايات المتحدة الأمنية بعدّة نقاط، أهمها: مراقبة تحولات القوة حول العالم، والحدّ من استخدام القوة العسكرية في السياسة الخارجية، إلا إذا كانت تمسّ مباشرة مصالح أميركية جوهرية، والعمل الجماعي وليس الأميركي الأحادي، والتخلي عن حالة (الراكب المجاني)، أي فرض تكاليف على الحلفاء، كما صنّف روسيا في خانة الأعداء الأساسيين، وأكّد أن الصين يمكن التعامل معها على عدة مستويات سياسية واقتصادية وأمنية.

 

وبشكلٍ عام، لم يبدُ أي تغيّر في سياسات الولايات المتحدة الشرق أوسطية، منذ بداية أحداث الربيع العربي في عام 2010 وحتى اليوم، على الرغم من أن ما حدث، خلاله وبعده، كان من أخطر التَحوّلات السياسية والاجتماعية والعسكرية والاستراتيجية التي شهدتها المنطقة عالية الحساسية، والمؤثرة في الأمن الدولي.

 

لم يكن الأميركيون متحمّسين للربيع العربي، ولا لثوراته التي طالبت بالحرية والديمقراطية وتداول السلطة، ربما لأنها أتت سريعة ومفاجئة لهم؛ فلا بدائل لديهم عن هذه الأنظمة، ولا ضمانات لأمن إسرائيل في المراحل الانتقالية وفي المراحل اللاحقة، ولا ضامن لأن لا يستلم السلطة إسلاميون متطرفون، فضلًا عن ارتيابهم من مفهوم الدولة الوطنية الذي تطرحه بعض المعارضات العربية، وجميعها قضايا أمّنتها لعقود أنظمة الاستبداد التي كانت قائمة في هذه البلاد، كما في سورية وليبيا واليمن والجزائر خصوصًا.

 

وُجّهت ملاحظات كثيرة جدًا لطريقة تعامل الإدارة الأميركية الحالية مع الربيع العربي، ومع ملفات المنطقة، تحديدًا سياستها التي تسعى لتحقيق توازن سنّي ـ شيعي في المنطقة العربية، يسمح بحفظ التوازن وبعض الاستقرار، مع ترجيحها للطرف الشيعي الأقدر، من وجهة نظرها، على فرض حالة تؤمّن لها مصالحها على المدى البعيد؛ بوصفه صاحب مرجعية مفتقدة لدى السنة، ما يجعلها  تتفرغ لمحاصرة روسيا عسكريًا واقتصاديًا؛ فتنتزع منها تنازلات في بعض الملفات الحساسة كالقرم وأوكرانيا وغيرهما، مقابل تخفيف اعتماد الولايات المتحدة على النفط (الخليجي خصوصًا)، والعمل على كبح أطماع الصين في نفط وغاز بحر الصين.

 

هذه السياسة كانت موضع تقويم مختلف، ففي حين رأى كثيرون أنها سياسة يمكن أن تساعد إلى حدٍّ كبيرٍ في استقرار الشرق الأوسط، وتجنيبه الحروب والصدامات التدميرية، رأى آخرون أنها سياسة سلبية لا تحقق العدالة والاستقرار، وتؤجل المشاكل ولا تحلّها.

 

الولايات المتحدة والنظام السوري

للمساعدة في فهم جذر موقف الولايات المتحدة الحالي من الثورة السورية، لا بدّ من تسليط بعض الضوء على الأساليب التي استخدمها حافظ الأسد في تأسيس علاقة مباشرة، أو غير مباشرة، مع واشنطن، إذ عمل طوال فترة حكمه على مسك العصا من المنتصف، متقرّبًا من روسيا تارة، ومن الولايات المتحدة (وإسرائيل ضمنًا) تارة أخرى، طمعًا في حمايته دوليًا، وإطلاق يده في الداخل السوري، وأوحت تلك العلاقة النفعية بوجود علاقة عضوية بين النظام السوري والاستخبارات الأميركية، أو وجود دور وظيفي يؤديه لمصلحة اللوبيات الصانعة للقرار في واشنطن، وهو -في نظر بعضهم- يفسّر صمت الولايات المتحدة عن الحرب الكارثية الحالية التي تشهدها سورية.

 

واقعيًا، قام نظام الأسد/ الأب بدورٍ شرق أوسطي يتماشى، في كثيرٍ من جوانبه، مع استراتيجية الولايات المتحدة، في لبنان وفلسطين والعراق، وفي فضاءات عربية أخرى، منها دخولـه لبنـان؛ للقضاء على المقاومـة الفلسطينية، وتفتيت منظمة التحرير هناك، وإنهاء المقاومة اللبنانية الوطنية لمصلحة بروز حزب الله وغيره، وبسط هيمنته المطلقة على لبنان، والتأسيس لنظام المحاصّة الطائفية فيها، وتفتيت معظم المنظمات الفلسطينية، واحتضانه منظمات فلسطينية راديكالية تدور في فلكه، ووقوفه عسكريًا في (عاصفة الصحراء) إلى جانب (أو بالأصح تحت إمرة) القوات الأميركية ضدّ الجيش والدولة العراقية (على الرغم من أنها تُحكم بنظام بعثي توأم)؛ من أجل تحرير الكويت (التي كان يعتبرها حزب البعث السوري رجعية)، وإرساله الجهاديين إلى العراق؛ لتأجيج الحرب الأهلية التي سهّلت التمدّد الطائفي الإيراني، ودعمه لحزب العمال الكردستاني الذي أقلق تركيا لعقود وهدّد أمنها، ثم تحالفه مع الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، وبتعبيرٍ أوجَز، لم يعمل ضـدّ المصالح الأميركية في أي ملف، وأي زمان، منذ استلامه السلطة.

 

أخرج الأسد الأب سورية من الصراع مع إسرائيل من خلال حماية حدود الدولة (العدو)، حماية لم تكن تحلم بها إسرائيل يومًا؛ فـ (في نيسان/ أبريل 2011، قالت صحيفة هآرتس الإسرائيلية: إن تصريحات الأسد، الأب والابن، المعادية لإسرائيل، لم تكن إلا شعارات خالية من المضمون، وتم استخدامها لهدف واحد فقط، كشهادة ضمان وصمام أمان ضدّ أي مطلب شعبي سوري لتحقيق حرية التعبير والديمقراطية، مشيرةً إلى أن النظام السوري، المتشدِّق بـ “عدائه” لتل أبيب، لم يُسمِع الأخيرة ولو “صيحة خافتة واحدة” على الحدود في هضبة الجولان منذ سيطرة إسرائيل عليها عام 1973). وقد يُفسّر هذا الأمر الأسئلة التي طرحها السفير الأميركي “روبرت فورد” عام 2012، على عددٍ من تيارات المعارضة السورية حول موقفها من إسرائيل.

 

في هذا الشأن أيضًا، لا بدّ من الإشارة إلى ما تحدث به كثير من الضباط والمسؤولين السوريين عن انسحاب الجيش السوري من هضبة الجولان في حرب 1967، من دون إطلاق رصاصة واحدة، وبلا مبرّر عسكري؛ إذ تمّ الانسحاب بناءً على أوامر من حافظ الأسد شخصيًا، ولا ننسى الإشارة -أيضًا- إلى مباحثات السلام مع إسرائيل خلال الثمانينيات من القرن الماضي، التي كانت علنية في جزءٍ منها وسرّية في أجزاء أخرى، وكانت -بتفاصيلها- محاولة لطمأنة إسرائيل على مستقبلها مقابل تثبيت أسس النظام.

 

قد تُفسِّر استراتيجيات النظام السوري، خلال عقود، إصرارَ الولايات المتحدة، منذ عام 2012، على رفضها أي حلٍّ عسكري للمسألة السورية، وتكريسها وحدانية الحلِّ السياسي، وإصرارها على عمل توازن قوى، وتأكيدها -في أكثر من مرحلة- على ضرورة احترام مصالح جميع الأطراف الدولية، الأمر الذي أطال زمن الحرب الكارثية؛ بسبب استحالة خروج الأطراف قانعين بحصتهم من (الكعكة) السورية.

 

ارتكب الأسد الابن أخطاءً لا تُحصر، وهو الآتي للرئاسة والسياسة بـ (الباراشوت)، الرئيس قليل الخبرة والمزاجي والصبياني في بعض جوانب حياته الخاصة، والذي لم يعرف كيف يُشرعن وراثته للحكم، ولم يفهم لعبة السياسة والتحالفات والتوازنات الدولية والإقليمية والعربية، بل وحتى لم يعرف كيف يتعامل مع شعبه في الحدّ الأدنى، وسمح لإيران بتنفيذ مشاريعها في لبنان وسورية على حساب المشاريع الأخرى كلها، وتعامل مع الملف اللبناني بلا عقلانية، دفعت الجميع إلى توجيه أصابع الاتهام له باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، مرورًا بمعاداته للعديد من الحكام العرب، وانفتاحه المفاجئ والمبالغ به على تركيا، واستبدال طاقم والده السياسي والأمني والعسكري كله بطاقمٍ قليل الخبرة، طائفي فاسد وعنيف، وفتح أبواب الفساد والنهب على مصاريعها لأسرته وبطانته، ثم أخيرًا قتله نحو نصف مليون سوري خلال الثورة، و كان هذا كله تجاوزًا لجميع الحدود الممكنة والمسموحة، وخروجًا على المبادئ الأساسية المتفق عليها في تعاون والده مع روسيا والولايات المتحدة، ما ولّد استعدادًا أميركيًا لسحب الغطاء عنه؛ لأن عملية ترقيع ما قام به لم تعد ممكنة، لكنها لا تريد -في الوقت نفسه- أن يحدث التغيير بشكل سريعٍ ومفاجئ؛ لأنها لا تمتلك البديل القادر على تحقيق المبادئ التي سار عليها الأسد الأب.

 

أميركا وبقاء الأسد

تشير الوقائع كافة -اليوم- إلى أن الولايات المتحدة لا تريد أن يبقى الأسد، لكنها لا تريد للنظام أن يزول هكذا ببساطة، لأنه الوحيد الذي يُراهَن عليه لحماية أمن إسرائيل، وهو القادر ـ في رأيها ـ على تحقيق توازن القوة في سورية كي لا يحدث انهيار أمني. كذلك لا تريد أن تُصعّد مستوى الصراع مع روسيا، ولهذا؛ فقد تتوافق مع الروس على ضرورة إجراء التغيير السياسي، وتمرير المرحلة الانتقالية بوجود الأسد، وربما توافق على أن يترشح للانتخابات، بعد أن تُسحب معظم صلاحياته وفق دستور جديد يوضَع في نهاية المرحلة الانتقالية.

 

لكن، لا يبدو أن الولايات المتحدة قادرة ببساطة على تمرير قرارٍ من هذا النوع، خاصة إن أصرّت المعارضة السورية على ألّا يكون للأسد أيّ دورٍ بعد المرحلة الانتقالية، ولا لأي من رجاله الذين ارتكبوا جرائم في حقّ السوريين، وفيما لو استمرّ رفض الحلفاء لطرح كهذا، فتركيا ترفض وجود الأسد؛ لأن بقاءه يهدِّد أمنها الوطني، خاصة مع انكشاف صلات النظام بحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري، الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني المُصنّف إرهابيًا في تركيا، وكذلك لا تقبل السعودية بحلٍّ (ترقيعي) كهذا، وتدعم موقف المعارضة السورية (الهيئة العليا للمفاوضات)؛ فبقاء الأسد يعني استمرار التهديد الإيراني للمنطقة برمتها، وبأكثر من شكل، وهاتان الحليفتان لهما قوى سياسية وعسكرية مهمة في سورية، يمكن أن تؤثر في الواقع الميداني بشكلٍ أكيدٍ، ولا سيّما إن حصلت على بعض الأسلحة النوعية المتطورة.

 

كذلك، يصطدم الموقف الأميركي (على الرغم من رخاوته) برفض إيران التي تريد إعادة تأهيل الأسد، واستمرار صلاحياته الأمنية والعسكرية، وتجعل هذا الأمر جزءًا من معركتها الأم، ويمكنها أن تساهم في إطالة الأزمة السورية، وتصعيد مستوى العنف فيها عبر ميليشيات طائفية غير نظامية.

 

يرى كثيرٌ من الدبلوماسيين العرب والغربيين، أن سياسة الرئيس باراك أوباما الرّخوة شكّلت فرصة ذهبية لخصوم أميركا؛ ففي عهده فرضت إيران نفسها على المنطقة، وعبثت في العراق، وتآمرت في اليمن، وأجرّمت في سورية، وحاولت إثارة نزعات طائفية في البحرين، وتحدّى حزب الله اللبناني القرارات والمحاكم الدولية، وعطّل الدولة، وعاد الرئيس اليمني علي عبد الله صالح ليُشعل حربًا أهلية، ودخلت ليبيا متاهة الفوضى، وتمادى النظام السوري في قتل شعبه، وعاد العسكر ليحكموا مصر، ونجح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في تطبيق سياساته في الشرق الأوسط، وتعزيز دور روسيا الدولي، وغابت الرؤية الأميركية الواضحة، ودخل العالم في متاهات تنفيذ هذه الرؤى التي لا يعرف أحد تفاصيلها.

 

من الواضح أن السياسة الأوباميّة تريد تغيير قواعد اللعبة في السياسة الخارجية، والابتعاد من التورّط في مغامرات مُكلفة؛ وهذا يجعلها أقل استعدادًا للانخراط في صراعاتٍ خارجية، قد تشكل خطرًا على الأمن القومي الأميركي؛ فهي لا تريد أن تتكلّف أيَّ خسائر من أي نوع في الصراع السوري، وتجدر الإشارة إلى أن كل ما أنفقته الولايات المتحدة في سورية طوال زمن الثورة هو 1.2 مليار دولار فقط (3 مليار وفق إعلانها)، بما في ذلك المساعدات الإنسانية والغذائية والطبية، وحمّلت دول الخليج العربي، ودولًا أوربية، معظم تكاليف غارات التحالف الدولي الجويّة ضدّ مواقع تنظيم الدولة الإسلامية، ولم تخسر جنديًا أميركيًا واحدًا، ولم تواجه آلتها العسكرية أيّ مخاطر تُذكر، ويبدو أن هذه السياسة قليلة التكاليف تُطرب صنّاع القرار في البيت الأبيض؛ لذلك على المعارضة السورية عدم المراهنة على تدخل أميركا في الصراع السوري حتى نهاية ولاية أوباما، عرّاب هذه السياسة.

 

من هنا تبرز أهمية أن تبني المعارضة السورية، خلال المرحلة الحالية واللاحقة، حساباتها على هذا الأساس، و أن تخلق تقاطعات مصلحية أكبر مع دولٍ تتبنى نظرةً قريبةً إلى الصراع، وتخشى انعكاس نتائجه المستقبلية على أمنها ومصالحها، وأن تسعى المعارضة إلى التأثير في الرأي العام الأميركي وإقناعه، بوسائله وأساليبه، بأن أمن واستقرار الشرق الأوسط ضرورة لأمن واستقرار العالم، وأن هذا مرهون بالقضاء على عوامل التوتر والإجحاف التي تغذي التطرف، والتي يجسِّدها النظام السوري، وأنه وحليفه الإيراني (في حال فوزهما في الصراع) يُشكلان خطرًا على أمن الشرق الأوسط، والذي سيؤثر حُكمًا على عموم الأمن الدولي ، والتأكيد لكل المعنيين بالمسألة السورية أن المعارضة شريك أساسي للدول الإقليمية والكبرى، في العمل على تكريس الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، عبر إقامة نظامٍ يحقِّق العدل والمساواة بين المواطنين السوريين، في ظل سيادة القانون والاحتكام إلى المعايير الدولية ذات الصلة، ومحاربة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وجميع التنظيمات المتشدّدة الأخرى، والأهم أن تتشبث المعارضة السورية بمطالب الثورة الأساسية، وترفض تقديم أيّ تنازلٍ جوهري، حتى لو كان طالب هذا التنازل هو الولايات المتحدة نفسها.

 

عن الكاتب

حزب الجمهورية

آخر المقالات