رؤية سياسية حول القضايا المرحلية

أولاً: السياسة الخارجية: نحو سياسة تخدم سورية والسوريين

ثانياً: الصراع العربي الإسرائيلي والتسوية
ثالثاً: القضية الكردية في سورية
رابعاً: رؤيتنا لعسكرة الثورة السورية والجيش الحر
خامساً: مسألة التدخل الخارجي
سادساً: النظام والثورة والمعارضة
سابعاً: برنامج العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية
ثامناً: رؤية للمرحلة الانتقالية
+أولاً: السياسة الخارجية: نحو سياسة تخدم سورية والسوريين

أ- تمهيد
ترتكز السياسة الخارجية لدولة من الدول على قاعدتين أساسيتين، هما الأمن والمصالح الوطنية، وعليهما تعتمد مقومات التنمية في أبعادها كافة. لذلك تهدف السياسة الخارجية، في الأحوال الطبيعية، إلى الحفاظ على السيادة والاستقلال، والأمن القومي والمصالح الاقتصادية التي تقود إلى الارتقاء والتقدم، وتوفير القدرة على الحركة والتأثير في المجال الحيوي للدولة، أي امتلاك وسائل ومقومات الفعل في المحيط الإقليمي والعلاقات الدولية.
ثمة عوامل عديدة تؤثر في نهج السياسة الخارجية للدولة، كتاريخ هذه الدولة وموقعها الجغرافي، ومساحتها وعدد سكانها، لكن يبقى العامل الحاسم في تحديد سمات وتوجهات هذه السياسة هو الوضع الداخلي وطبيعة النظام السياسي والاقتصادي المهيمن فيها، على اعتبار أن السياسة الخارجية لدولة من الدول، بمعنى ما، هي امتداد للسياسة الداخلية. فالعلاقة المتبادلة بين الداخل والخارج حقيقة واقعة، خاصة في ظل التطورات والتغيرات السياسية والاقتصادية المتسارعة التي غطت العالم على امتداد العقود الماضية، مما جعل السياسة الخارجية أكثر تأثراً بالأوضاع الداخلية من أي وقت مضى. لذلك لم تعد الدبلوماسية الرسمية هي التعبير الوحيد عن الاتصال بالعالم الخارجي، بل أصبحت هناك أدوات أخرى لا تقل تأثيراً عن الجهاز الدبلوماسي في مخاطبة العالم والتعامل معه، منها الدبلوماسية البرلمانية والاتصالات الحزبية والعلاقات المرتبطة بالتنظيمات الشعبية الأخرى ومؤسسات المجتمع المدني المختلفة وتجمعات رجال الأعمال والشباب والمرأة، وغيرها من قوى المجتمع المؤثرة.

ب- مرتكزات السياسة الخارجية للنظام
ترتكز السياسة الخارجية للنظام السوري في الخطاب العلني إلى عقيدة قومية هدفها “التضامن العربي، والسعي لتحقيق الوحدة بين أقطار الوطن العربي، وتجعل من القضية الفلسطينية وبناء توازن استراتيجي شامل مع العدو الإسرائيلي، القضية المركزية. لذلك تقف ضد أي تسوية منفردة يمكن للحركة الفلسطينية بقيادة منظمة التحرير أن تعقدها مع إسرائيل، كما تؤكد على الهوية السورية للجولان المحتل وتحريره، ودعم ما يسمى “المقاومة” بجميع الوسائل، وتعميق أواصر العلاقات السورية – اللبنانية، ومواجهة مشاريع الإمبريالية في المنطقة، ورفض احتلال العراق”. هذه هي مفردات الخطاب السياسي للنظام على الرغم من أن ممارساته على أرض الواقع بعيدة إلى حد كبير من الأهداف المعلنة.
على أرضية هذه الأهداف المعلنة، قامت هذه السياسة خلال العقود الأخيرة بتوسيع دائرة نفوذها الإقليمي، ومحاولة فرض مواقفها وسياساتها، عبر التدخل السياسي والعسكري، في الشئون الداخلية للبلدان أو الحركات الوطنية العربية والإقليمية، بدءاً من النزاع العراقي- الإيراني، إلى النزاع الكردي – التركي، مروراً بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، والصراع اللبناني – الإسرائيلي، وغيرها.
في الحقيقة لم يكن البعد القومي إلا غطاءً لسياسة خارجية محركها الفعلي هو خدمة النظام وتأمين دفاعاته ومصالحه، حتى لو كان ذلك على حساب المصالح الوطنية السورية أو المصلحة العربية، كما ليس من الصعب اكتشاف أن تنقلات السياسة الخارجية السورية ما بين “الممانعة” المتطرفة والبراغماتية الصرفة، غير المستندة إلى المصالح الوطنية، لا تهدف في المحصلة سوى إلى تثبيت النظام الحاكم.
لقد نجح النظام السوري في المراحل السابقة قبل الثورة السورية في آذار 2011 في تخفيف وتيرة الضغوط الخارجية عليه، عبر استخدامه عناصر الضغط التي يملكها في الملفات الإقليمية كافة، في لبنان والعراق وفلسطين، وساعده في ذلك وضع سورية التاريخي والجغرافي، كبلد أساسي في المنطقة ومرتبط بجميع أزماتها وملفاتها، كما ساعده أيضاً فشل الحسابات الأمريكية في المنطقة، وعجزها عن تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار الأمني في العراق.
لكن هذه السياسة لم تؤدِّ في الحقيقة إلى رفع سوية المناعة الوطنية أمام الاعتداءات الخارجية، فالطائرات الإسرائيلية لا تجد أي صعوبة في دخول الأجواء السورية، وضرب ما تريد أن تضربه. أما انعكاس هذه السياسة في المستوى العربي، فكان على العموم سلبياً، ولا أحد يستطيع الادعاء بأن علاقات سورية كانت على ما يرام مع أشقائها العرب أو أن العمل العربي المشترك بخير.

ج- نحو إعادة بناء السياسة الخارجية من منظور المصالح الوطنية السورية
تعامل النظام السوري طوال عقود مع منظور ضيق للمصلحة الوطنية السورية، واختزلها إلى السعي الدائم لتثبيت دور فاعل للنظام في المحيطين الإقليمي والدولي، عبر امتلاك أوراق عديدة بيده، واللعب في ساحات الآخرين، الأمر الذي يؤهله على الدوام لدفع الضغوط الخارجية عنه من أي لون ومصدر، وكف يدها عن التأثير في الأوضاع الداخلية في سورية، بما يؤثر سلباً على استمراره وقدرته على الإمساك بزمام الامور.
حققت هذه الآلية شكلاً من أشكال الاستقرار، لكنه استقرار سلبي، قائم على المحافظة على ركود الحياة السياسية والاقتصادية، وشلل الحياة العامة. إنه استقرار غير منتج للتقدم في أي مستوى، ويضع البلاد في مخاطر عديدة على الدوام، داخلية وخارجية.
إن الجانب الأول في إصلاح مرتكزات السياسة الخارجية، يكون ببنائها على معايير القوة الداخلية، الأمر الذي يعني أولوية التغيير الديمقراطي والتحديث الاقتصادي، كي تعكس السياسة الخارجية وآلياتها حاجات الداخل السوري، ولا تختزل إلى مجرد الإمساك أو اللعب بأوراق معينة بهدف تحقيق الاستقرار السلبي.
يتمثل الجانب الثاني في إصلاح السياسة الخارجية في تحسين سمعتها وصورتها لدى المجتمع الدولي، عبر تبديد النظرة المليئة بالريبة تجاهها، كونها أخذت طابعاً متنقلاً وسريعاً ما بين اتجاهات متناقضة، فتبدو أحياناً كسياسة متهورة تفتقر إلى المعايير العقلانية والواقعية، وأحياناً تلهث وراء كسب ود الآخرين بالسبل كافة، تارة تنتحل خطاباً حاداً ومعادياً، ليس فحسب تجاه الولايات المتحدة، إنما تجاه الغرب عموماً، وتارة أخرى تذهب نحو الميلان بالزاوية التي يريدها الآخرون.
السياسة الخارجية السورية بحاجة إلى تبديد مشاعر القلق إزاءها، كونها سياسة موصوفة بأنها تسعى إلى زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة بأكملها، وتثبيت نفوذها بوسائل لا شرعية لدى جيرانها من العرب وغيرهم، وعلى حساب مصالحهم الوطنية، في سبيل دفع الأذى المحتمل على استمرارية النظام.
إن القيام بدور إيجابي في المحيطين الإقليمي والعربي ينعكس بالضرورة إيجاباً على الداخل السوري، فضلاً عن كونه في محطات كثيرة يمكن أن يكون أيضاً تعبيراً عن سياسة ترتكز إلى المصالح المشتركة. فالقيام بدور إيجابي في لبنان وفلسطين والعراق هو مصلحة وطنية سورية، فضلاً عن كونه مصلحة عربية عليا. وإن تعزيز الأمن في هذه البلدان يساهم بالتأكيد في ضمان أمن واستقرار سورية، ووقايتها من أي تخلخلات أو ارتكاسات دينية أو مذهبية أو قومية.

لبنان:
في لبنان ارتسمت شخصية الدولة السورية من خلال سياساتها الخارجية هناك، كشخصية مافيوية، قائمة على حكم ضيق ومغلق، ويستند إلى أدوات مخابراتية صرفة في الفعل والتأثير، الأمر الذي حول لبنان على مدار ثلاثين عاماً إلى مجرد ملف على جدول السياسة الخارجية والأجهزة الأمنية.
كانت الأهداف الأساسية للسياسة السورية في لبنان تتمثل في خدمة مصالح النظام السوري الاقتصادية، والاحتفاظ بالورقة اللبنانية لتوظيفها في المفاوضات والمساومات المحتملة، بما يهدف إلى تثبيت أركان الحكم في الداخل السوري.
يمكن القول إن مستقبل العلاقات بين البلدين رهن بخروج لبنان معافى من أزمته السياسية المستمرة، خاصة الانقسام الحاصل في المجتمع اللبناني، والانتصار لمنطق الدولة في لبنان، لكن العامل الأهم يتعلق بتطورات الوضع الداخلي في سورية، إذ إن احتمال حدوث تطور إيجابي نحو علاقات طبيعية خالية من عناصر الهيمنة والتدخل في الشأن اللبناني، يتوقف على رحيل النظام السوري وحدوث تغيير ديمقراطي آمن في المجتمع السوري، وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية.
العلاقات العربية – العربية والعلاقة مع إيران:
إن سياسة خارجية سورية مستندة إلى المصالح الوطنية السورية، لا بد أن تكتشف ضرورة إصلاح العلاقات العربية وبنائها على أساس من المصالح المشتركة المتبادلة، مهما كانت درجة الخلاف السياسي وطبيعته، لأن غياب الحضور العربي-خاصة في الساحات غير المستقرة في المنطقة العربية- أفسح المجال للأطراف الأخرى للعب أدوارها بما يتناسب مع مصلحتها بالضرورة، فإيران أصبحت رقماً فاعلاً ومؤثراً في جميع هذه الساحات، في العراق ولبنان وفلسطين وسورية، ومن الطبيعي أن يكون فعلها وتأثيرها مستنداً إلى المصالح الإيرانية، لا إلى المصالح الوطنية لتلك البلدان، أو إلى المصلحة العربية.
التحالف مع إيران انعكس إيجاباً على ثبات النظام ورسوخه، وإرغام الآخرين على إعادة حساباتهم تجاهه، ومقايضته في مسائل عديدة، لكنه أضر بالمصالح الوطنية للشعب السوري، وأساء لصورة سورية في المجتمع الدولي، خاصة في ظل الخطاب الأيديولوجي غير العقلاني للسياسة الإيرانية في العلاقات الدولية، كما أفسح المجال لإيران للدخول إلى عمق النسيج العربي والتدخل في الشؤون الداخلية لبلدان عربية عديدة، واستخدامها كأوراق في صراعها مع الغرب والولايات المتحدة الأمريكية.
القضية الفلسطينية والمقاومة:
اعتمدت السياسة الخارجية السورية على المحاولة الدائمة لاحتواء النضال الفلسطيني بكليته، ودخلت في مواجهات مسلحة مع منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، وبسبب عدم قدرتها على الاحتواء سعت إلى تفكيك الصف الفلسطيني، وانحازت بشكل صريح إلى القوى الفلسطينية المعارضة لياسر عرفات ومحمود عباس، ورعت التنسيق بينها، وحولتها إلى أوراق تضغط بها على خصومها السياسيين، وهو ما أعطاها هامش مناورة كبيراً في العلاقات الإقليمية والدولية.
الدور الإيجابي في فلسطين يعني دعم وحدة الشعب الفلسطيني، داخل فلسطين المحتلة وخارجها، ودعم التوافق الوطني بين أفرقاء الحركة الوطنية الفلسطينية، والكف عن تشجيع طرف ضد آخر، والإقرار بما يتفق عليه الفلسطينيون، وعدم ذهاب سورية إلى تسوية منفردة وترك الفلسطينيين وحيدين في مواجهة العدو الإسرائيلي.
أما ما يتعلق بالمقاومة اللبنانية والفلسطينية للاحتلال فينبغي إعادة بناء هذا المفهوم في السياسة الخارجية، فالمقاومة المستندة إلى إجماع وطني لا يعطِّل الدولة والمجتمع والملتزمة بالقانون الدولي الإنساني هي حق مشروع، أما الحركات المتسترة بالمقاومة، وتمارس الإرهاب، وتنتهج العنف من أجل العنف وتستهدف المدنيين والأبرياء، فهي حركات مرفوضة نهجاً وممارسة.
المقاومة وثقافتها بحاجة إلى النقد، والصمت عن هذا النقد شكل من أشكال التواطؤ ضد الحقيقة. المقاومة حق مشروع، هذا لا جدال فيه. لكن يجب الانتقال من الدفاع عن الكلمات أو الاتفاق عليها، إلى إدراك مدلولاتها. أن نكون مع المقاومة لا يعني تقديسها، ونقدها في صالحها وصالح المشروع الديمقراطي، ولا يجوز الذهاب نحو خطاب الابتزاز الدارج بوضع كل نقد للمقاومة في خدمة الإمبريالية والصهيونية.
درجت فئات واسعة، منذ الاحتلال الأمريكي للعراق، قومية وإسلامية وماركسية، على تمجيد كل فعل للمقاومة التي تجابه الاحتلال، رغم انطلاق هذه المقاومات من أرضيات مذهبية ودينية، ورغم كون برامجها ورؤاها طاردة أو نافية لأي مشروع سياسي يهدف لبناء الدولة الوطنية الديمقراطية.
الأرضية الثقافية للمقاومات الدارجة هي أرضية محافظة تستند إلى الموروث الثقافي الديني المذهبي في شكله الأكثر تطرفاً واستبداداً، وهي بالضرورة لا تتوافق مع قيم الفرد وحقوق الإنسان والثقافة الديمقراطية ومشروع الدولة الوطنية، ويحكمها عداء جوهري مطلق وخالص ضد الآخر وثقافته، سواء أكان طرفاً خارجياً أم داخلياً. وإن كانت السياسة تقتضي التشارك مع هذه المقاومات في سبيل المصالح المشتركة، فإن هذا لا يمنع من نقدها ومحاولة عقلنتها كي تصب سياساتها في خدمة المشروع الديمقراطي.
هذه المقاومات غارقة في الأيديولوجيات المتطرفة والنهائيات والمطلقات والحروب الأبدية في الداخل والخارج. وبحكم استنادها لأرضيات مذهبية مغلقة، فإنها تزيد من احتمالات حدوث الفوضى والحرب الأهلية وجر مجتمعاتنا ودولنا إلى مزيد من التفسخ والتعفن. المقاومة التي يجب الاحتفاء بها هي تلك التي تنطلق من إيمان راسخ بمشروع الدولة الوطنية الديمقراطية، وتنطلق من اعتبارات وطنية ساعية نحو إجماع وطني عليها، وتكون عمومية مخترقة لجميع الأديان والمذاهب والانتماءات، ومنفتحة في ثقافتها ورؤاها على العالم والآخر.

+ثانياً: الصراع العربي الإسرائيلي والتسوية

-1-
إن الهزيمة المزمنة إزاء إسرائيل ليست أمراً عصياً على الفهم إذا ما عدنا إلى تاريخ نصف قرن من الصراع العربي-الإسرائيلي، الذي يؤكد في كل لحظة على تمفصل وتراكب “لا عقلانية السياسة العربية” مع “التأخر التاريخي العربي”، اللذان يهيئان باستمرار مناخاً ملائماً لولادة هزائم جديدة. وهو ما يتيح القول إن “القابلية للهزيمة” كامنة في ثنايا الواقع العربي بكل مستوياته وحيزاته، وأننا سنظل عرضة لتلقي هزائم أخرى، مادامت هذه “القابلية” راسخة الجذور والأركان في واقعنا.
شكَّل تأخرنا، ولا يزال، الأرضية المولِّدة للهزائم، وهو ما يشير إلى أن معركتنا مع إسرائيل هي نفسها معركتنا مع التأخر في حيزاته كافة، السياسية والثقافية والاقتصادية، وغيرها. وفي المركز من حالة التأخر الشامل، نرى أن “الميدان السياسي-الأيديولوجي” هو الأشد تأخراً بسبب غربته عن مرتكزات السياسة الحديثة، وهذا يفسر انحطاط السياسة العربية الرسمية وعجزها عن الحضور الفاعل في العلاقات الدولية بما يتفق والمصالح العربية.
من جانب ثانٍ فإن “الميدان السياسي”، بما يمتلكه من استقلالية نسبية عن الحيزات الأخرى، وبما له من قدرة وفاعلية في مجتمعات متأخرة كمجتمعاتنا، يتحمل المسئولية الأكبر في توليد الهزائم، وبالتالي فالحكومات العربية، من دون استثناء، بحكم سطوتها في “الميدان السياسي” واحتكارها المطلق للقرار والفعل السياسيين، تتحمل المسئولية الكبرى تجاه كل الكوارث التي تحل بدولنا ومجتمعاتنا.
1- لا يوجد اعتراف حقيقي بعامل ميزان القوى في السياسة العربية الرسمية وغير الرسمية، ولا لدوره في صوغ الحقائق الواقعية.إذ اندرج “حكامنا” والقطاع الأوسع من النخبة السياسية والثقافية في خطاب أزلي حول “الحق” و”العدل” في العلاقات الدولية. السؤال هنا: منذ متى كانت “الحقوق” هي التي ترسم التاريخ وتقرر الحقائق الواقعية؟.
إن أحد العوامل المؤثرة في القرار الأمريكي، والدولي عموماً، يتمثل بإجراءات فعلية ذات ثقل في ميزان القوى العربي-الإسرائيلي. وإلا ما الذي يلزم أي إدارة أمريكية، ديمقراطية كانت أم جمهورية، أن تأخذ في الاعتبار المصالح العربية، إذا كان العرب يضمنون مصالحها دون كبير عناء منها؟.
2- ركنت الحكومات العربية إلى خيار وحيد، دعته خياراً استراتيجياً، هو “خيار السلام”.هذا الخيار لا معنى له في عالم الأقوياء، أي في ظل التخلي عن الخيارات الأخرى ووسائل القوة. إن توجه حكامنا نحو هذا الخيار هو توجّه بدلالة العجز، وليس توجّه القوي الذي يمتلك خيارات عديدة، بينها خيار السلام، إذ أن من لا يملك “خيار الحرب” وما يتطلبه من وسائل القوة، ليس بإمكانه أن يفرض السلام الذي يريد.
ينبغي أن يكون “السلام” خياراً استراتيجياً للعرب وجميع القوى السياسية، فالعقلاء لا يسعون إلى الحرب إلا إذا فرضت عليهم، وحتى عندما يحاربون، فإنما يحاربون من أجل إحلال السلام، وليس رغبة في الحرب. لكن هذا التوجه نحو السلام يجب أن يكون توجّه القوي القادر، لا توجّه الضعيف الذي لا يملك خيارات أخرى، أو توجّه المرغم والمجبر على هذا الخيار، بحكم عجزه وفشله وقلة حيلته.
لا يوجد حالياً جدول أعمال مشترك أمام الحكومات العربية، وبدلاً من أن تتوافر سياساتها على رؤية شاملة واستراتيجية وتكتيك، يكون هاجسها إبراز “نواياها الطيبة”، وبدلاً من أن يكون لديها تصور عن الواقع والمستقبل والاحتمالات والسبل والمراحل ووسائل الضغط والدفاع والحرب، يكون لديها خيار وحيد هو “السلام”.
لا تقف مسئولية الحكومات العربية في إعادة إنتاج الهزيمة عند مستوى علاقتها بالخارج، بل إنها مسئولة بالدرجة الأولى عما أنتجته في مجتمعاتها من خراب، وما هيأته من أوضاع قادرة في كل لحظة على إنتاج الهزائم والكوارث. من البديهي القول: إن من يهزم شعبه لا يستطيع أن يهزم الأعداء، ومن يزرع الاستبداد لا يحصد إلا انهياراً في الداخل وخسارات في الخارج.
من الضروري أن يحدث تبدل في السياسات والأولويات، فالمعركة مع العدو الإسرائيلي تتوقف بالدرجة الأولى على التقدم في الداخل. وهذه الحقيقة أصبحت اليوم أكثر سطوعاً، فأي تقدم في الوضع الداخلي هو كسب تدريجي في سياق معركتنا مع إسرائيل، فاللعبة القديمة للحكومات العربية لم تعد تنطلي على أحد، أي لعبة تأجيل أو تجميد الدعوات إلى تحديث وعقلنة ودمقرطة الحياة العربية بحجة الصراع مع العدو الإسرائيلي، لأن الفوات الداخلي هو الأساس الموضوعي لآليات الهيمنة الخارجية.

-2-
كل هزيمة تتعرض لها أوطاننا ومجتمعاتنا تطرح علينا من جديد العودة لبديهيات الصراع العربي-الإسرائيلي، مثلما تفرض علينا ضرورة نقد أشكال تجلّي هذا الصراع في وعينا، وضرورة الارتقاء بخطابنا الأيديولوجي- السياسي في كل مرحلة من مراحله. ففي أغلب لحظات الصراع لم تكن الشعارات المرفوعة من جانب الحكومات والنخب العربية مطابقة أو متوافقة مع الإمكانيات الحقيقية على الأرض، فضلاً عن ديماغوجيتها التي أنهكت شعوبنا وضللتها وعزلتها عن معادلة الصراع، وقد بررت السلطات استبدادها وحكمها الشمولي بتجميع القوى وحشد الطاقات لتحرير الأرض، في الوقت الذي لم تتقدم خطوة واحدة صحيحة في اتجاه ذلك.
1- بداية لا بدّ من التأكيد على أساسيات هذا الصراع الذي نراه صراعاً سياسياً بين مشروعين متناقضين. وهو صراع ما يزال مفتوحاً، وسيبقى كذلك إلى أن تظهر حلول عقلانية لا تعيق نهضة المنطقة، ولا يغيّر من هذه الحقيقة حدوث تسويات وهدنات ومعارك في لحظات سياسية مختلفة.
2- لا تستطيع الحكومات العربية رفض التسوية، وبالطبع لا تستطيع الحرب، لأنها ببساطة لم تجهز دولها وشعوبها لهذا الخيار.
التسوية المطروحة منذ أوسلو وحتى اليوم لحظة من لحظات الصراع، ولا تحل صراعاً بحجم وطبيعة الصراع العربي-الإسرائيلي، لأن مرتكزات الصراع ستظل قائمة. لا يوجد في الحقيقة صيغة أو تسوية ما قادرة على إنهاء الصراع ما لم تعد إلى أصل الصراع وجذوره، ومعالجة مرتكزاته وآثاره، وتؤدي إلى حالة قابلة للحياة والاستمرار.
3- على الرغم من أن التسوية خيار مفروض على الحكومات العربية بحكم الواقع الحالي، فإن هذه الحكومات، بسبب القصور أو العجز أو الوهم لا فرق، ذهبت إلى التسوية دون رأس.
المفارقة الواضحة في (التسوية) أو (عملية السلام) الجارية منذ مدريد 1991 (على الرغم من الانقطاعات العديدة فيها) أن الحكومات العربية تفاوض استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية والرؤية الحقوقية، بينما “إسرائيل” تفاوض على (تسوية) بشروطها، أي بحقائقها التي تملكها على الأرض، وقادرة من خلالها على الفعل والضغط والحركة في اتجاهات متعدّدة. الموقف الرسمي الذي يفاوض، استناداً إلى إيمان بأن “الحقوق” هي التي تقرّر مصير الكون والعباد، لا صلة له بالواقع والتجربة التاريخية. فــ “السلام” المطروح ليس مطروحاً بمعناه الحقوقي الإنساني، إنما هو السلام القائم على موازين القوى بالمعنى الشامل، وليس من المتوقع بالتالي، بحكم اختلال ميزان القوى بشكل كبير لصالح إسرائيل، أن تكون التسوية المطروحة تسوية عادلة.
القرار 242 لم يأتِ أعقاب هزيمة حزيران 1967 نتيجة لميزان القوى العربي الإسرائيلي بمفهومه الضيق، بل كان نتيجة عوامل أخرى دولية (أي بالمعنى الواسع لميزان القوى العربي الإسرائيلي)، ويأتي في مقدمتها الاتحاد السوفيتي والرأي العام الآسيوي والأفريقي، وقد وافقت عليه الولايات المتحدة لهذا الغرض، ولكن للتفاوض وليس للتطبيق المباشر على أرض الواقع.
بعد الهزائم الأخيرة للنظام العربي، يبدو الوضع العربي أسوأ بما لا يقاس من قرار مجلس الأمن 242، والعرب لا يملكون حتى هذه اللحظة أن يفرضوا تنفيذه، فرادى أو مجتمعين.كذلك “اتفاق أوسلو” مازال أفضل من إمكانيات الوضع العربي الراهن. إنه سيئ قياساً بالحقوق العربية، لكن الوضع العربي الراهن أسوأ. الوضع العربي لا يستطيع أن يرفض “أوسلو” أو حتى الترتيبات الأدنى منه، وهذا يجعل من احتمال أن تكون الدولة الوطنية المستقلة (أي انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة في حزيران 1967 بما فيها القدس وإيجاد حل عادل لقضية اللاجئين) احتمالاً بعيد المنال.
4- إزاء هذه المعادلات الواضحة للصراع في اللحظة السياسية الراهنة، هل المطلوب رفض العمل الدبلوماسي والتسوية وإعادة طرح شعار “التحرير الكامل” والحرب؟
على العكس من ذلك. العمل الدبلوماسي مطلوب. العمل الدبلوماسي هو الباب الضيق، ومن لا يطرق الباب الضيق لا يطرق أي باب. العمل الدبلوماسي السياسي، بما فيه من تفاوض وتسويات وهدنات، ضروري شريطة اندراجه ضمن رؤية متكاملة للصراع في المنطقة، أي دون أن ننسى لحظة واحدة أن هذا الصراع لا بد أن يحسم في النهاية لمصلحة أحد طرفيه.
ليس بوسعنا اليوم مشاركة البعض وهم القدرة على تحرير كامل التراب العربي، لوعينا بطبيعة المرحلة وبموازين القوى المحلية والعالمية، ولإدراكنا لمقدراتنا الذاتية المُخَّربة والمنهوبة إزاء إمكانيات المشروع الإسرائيلي، إذ لابد لنا من بناء خطاب سياسي واقعي عقلاني إزاء عملية “التسوية” و”التفاوض” في هذه المرحلة، فالشعارات (كشعار التحرير الكامل) عندما تتحول إلى أقانيم، دون قراءة دقيقة لطبيعة المرحلة، لابد أن تنتهي إلى أن تكون ألفاظاً وحسب. بالمقابل فإننا مع السلام كخيار استراتيجي من منطلق تلازم هذا الخيار مع مشروعنا النهضوي، لكننا نرفض أن يتحول هذا النزوع المبدئي والإنساني إلى ممارسات تغلّف تخاذل أو تقاعس هذا النظام أو ذاك عن العمل على تغيير وتعديل ميزان القوى على الأرض.

-4-
دخل الكفاح الوطني الفلسطيني منذ وعد بلفور 1917 وحتى اللحظة الحالية في حركة مد وجزر تبعاً للشروط الموضوعية، العالمية والمحلية، والظروف وأحوال الوعي. لكن لا يسعنا إلا أن نقف على الدوام بإجلال أمام ما يقدمه الشعب الفلسطيني من تضحيات، وما يُظهره من عناد ومقاومة في وجه الاحتلال الإسرائيلي.
تحتاج المقاومة الفلسطينية، بكل توجهاتها وأشكالها وأطرافها وتلاوينها، إلى النقد. هذا النقد معني بتفحص أهدافها وظروفها وآليات عملها وأشكال تجليها، وذلك من واقع الحرص على استمرارها بالشكل المنتج والفعال، والقادر على توليد التضامن معها في الداخل الفلسطيني، وعلى المستويين العربي والدولي على حد سواء. إذ يجب ألا يدفعنا عجزنا عن الفعل وقلة حيلتنا لرفع المقاومة الوطنية الفلسطينية إلى مرتبة المقدس الذي لا يجوز نقده وتفحص إمكانياته وجوانب قصوره وآفاقه المستقبلية. هذا النقد أساسي خاصة إذا ما انتبهنا للفهم السلبي لأشكال تجلي المقاومة الفلسطينية في الوعي العربي عموماً، سواء في وعي الحركات السياسية (اليسارية والقومية والإسلامية عل حد سواء) أم في الوعي الشعبي العربي.
1- كل مقاومة في تاريخ العالم ضد الاحتلال تضع لنفسها مهمات وأهدافاً بحدود قدرتها وحدود الظرف الموضوعي في كل مرحلة من مراحل صراعها مع العدو المحتل، وفي الوقت ذاته تبقى محافظة دائماً على “المبدأ” أي على النهاية الأخيرة التي تبغيها لصراعها مع عدوها.
“المقاومة” بهذا المعنى هي الرفض المبدئي القطعي للاحتلال، والنزوع نحو التحرير والاستقلال، لكن أشكال تجليها في كل مرحلة متغيرة بالضرورة، إذ يجب الانطلاق من حسابات عديدة لطرح الشعارات والأهداف المناسبة في كل مرحلة:حسابات المساحة والتضاريس والنبات والبشر والقمع والأرباح والخسائر والوضع العربي والظرف العالمي…..إلخ.
تعتبر هذه النقطة أساسية في تطور المقاومة واستمراريتها، خاصة في ظل انتشار “أيديولوجيا السحب الميكانيكي” في الوعي العربي للثورات والمقاومات في التاريخ على المقاومة الفلسطينية، التي أعطيت مهمات أكبر منها وخارج حدود قدرتها والظرف العربي والعالمي، والسبب بالطبع هو العجز الذي يلف الشارع العربي وقواه السياسية على اختلاف تلويناتها.
2- إن أشكال النضال ضد المحتل عديدة: الدبلوماسية والسياسية، التفاوض والتسويات المؤقتة، التظاهرات السلمية والاحتجاج، المقاومة الشعبية، الحرب النظامية، تعزيز الجبهات الداخلية للبلدان العربية بالديمقراطية والوحدة الوطنية….إلخ، وفي كل مرحلة تتقدم إحداها أو بعضها على الأخرى، لكن تبقى إمكانية القدرة على التحرك باتجاهها جميعاً أساسية في كل لحظة سياسية، لذا يصبح التخلي عن إحداها أو السير وراء إحداها وحسب معضلة كبيرة في العمل النضالي.
كل وسيلة نضالية تخترعها الشعوب تطرح عليها سؤالاً أساسياً متعدّد الجوانب.هذا السؤال هو: أين ومتى وكيف؟ في لحظة سياسية ما قد يكون الاحتجاج السلمي هو الشكل الملائم والأجدى، وفي لحظة أخرى قد تكون المقاومة المسلحة هي الإجابة النضالية الحقيقية الملائمة والمجدية.
العمليات المسلحة الفلسطينية، الموجهة ضد جنود الاحتلال، والمتوافقة مع القانون الدولي الإنساني، هي إحدى وسائل النضال. والشرط اللازم لنجاحها هو اندراجها في إطار خطة سياسية متكاملة للشعب الفلسطيني وقيادته، أي أن تعدّد وسائل النضال لا يفترض تعارضها، بل تكاملها في إطار برنامج سياسي عام.
من جديد نعود، بحكم عجزنا وقصور وعينا، إلى معادلات فاشلة سياسياً وتكتيكياً: الجيوش العربية عاجزة، البديل ليس للدفاع وحسب، إنما للهجوم وتحرير كامل التراب الفلسطيني هو الكفاح الفلسطيني المسلح.
إن الشعوب لا تختار وسيلة نضالية واحدة إلى ما لا نهاية، والمقاومة الفلسطينية لا يمكن أن تكون لحناً استشهادياً أبدياً. “العمليات المسلحة” هي إحدى وسائل العمل النضالي، وهذا يتبع الظرف والجدوى السياسية، وليست الشكل الوحيد للنضال. إذا كان الفعل النضالي هو “المبادرات السلمية” وحسب، كما هو عند الحكومات العربية، فتلك مشكلة كبيرة، وإذا كان الفعل النضالي هو “المقاومة المسلحة” وحسب، كما هو في أيديولوجيا المقاومة والقطاع الأكبر من القوى السياسية العربية، فتلك أيضاً معضلة كبيرة.
المقاومة الفلسطينية استمرارها مطلوب وأساسي، وشرط استمرارها هو تعدّد وسائلها وأشكال تجليها في الواقع، واندراجها في برنامج سياسي نضالي شامل للشعب الفلسطيني في معركة طويلة الأمد، يتناول الإدارة والتخطيط في الحيزات كافة؛ السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، وهذه تجلّل جميعها بإدارة سياسية إعلامية تليق بنضالات هذا الشعب.
علينا إذاً الاقتناع بأن غاية المقاومة المسلحة ليست الموت، بل تحقيق المكاسب السياسية والانتصار، من خلال خطة سياسية شاملة لمراكمة الانتصارات السياسية الصغيرة على جميع المستويات في الواقع الفلسطيني والعربي والعالمي، وبالتالي لا معنى للمقاومة المسلحة إذا لم تنتج مكاسب سياسية. هذا يختلف عن تلك الرؤى التي تسعى، بوعي أو دون وعي، إلى “اختزال” المقاومة الفلسطينية إلى “العدد” الذي تحصده من الإسرائيليين، أو إلى حالة من ممارسة العنف المحض.
3- النقطة الأخيرة في هذا السياق تتحدّد في ضرورة الحفاظ في وعينا على السمة “الوطنية” للمقاومة الفلسطينية، وذلك ضد الرؤى الأخرى السائدة، وهذا مهم في فهم طبيعة الصراع السياسية، وليس كما يريد الاحتلال الإسرائيلي تصويره على أنه صراع ديني.
الإمبريالية لا تخوض حرباً من أجل الدين، وأهداف الحكومة الإسرائيلية ليست دينية، إذ على الرغم من الطابع اليهودي للدولة في إسرائيل، إلا أن الدين لا يشكّل أكثر من المبرر الأسطوري لإنشائها، فالطرفان (الإمبريالية وإسرائيل) يستغلان الدين من أجل أهدافهما الحقيقية في النهب والسيطرة.
إن انجرارنا اليوم – كما يريد لنا أعداؤنا- إلى ما يشبه الصراع الديني، يزيد في التمويه على الطبيعة السياسية للصراع. إننا لا نخوض صراعاً من أجل إنهاء الوجود اليهودي في فلسطين والعالم، بل صراعاً يتعلق بإنهاء الوجود السياسي لدولة الاحتلال، ومن الطبيعي في سياق مشروعنا هذا أن يحظى اليهود بحل ديمقراطي وإنساني. لقد صدَّرت إلينا أوروبا مشكلتها اليهودية، والعرب مطالبون اليوم، بحكم الواقع، برؤية لحل “المسألة اليهودية” في سياق مشروعهم النهضوي، وبهذه الرؤية فقط يستقيم فهمنا للصراع العربي-الإسرائيلي على قدميه.

+ثالثاً: القضية الكردية في سورية

أ- العرب والقضية الكردية
• العرب والكرد مطالبون بإعادة تعريف وبناء هوياتهم في ضوء ما هم عليه وما يمكن أن يكونوا عليه، أي في ضوء ما ينتجونه مادياً وروحياً اليوم وفي المستقبل، لا في ضوء ما كانوا عليه في الماضي.
• إن منحى التطور العام لمعظم دول المنطقة العربية يتجه اليوم نحو التطور الديمقراطي، على المدى المتوسط والبعيد، وهذا التطور الديمقراطي سيعمل بالضرورة على تجديد الهويات الوطنية، ومن ثم فإن الصيغة التي ستكون عليها المسألة الوطنية في دول المنطقة العربية هي التي ستقرر مصير أي مشروع اتحادي بينها، وجزءاً من مصير القضية الكردية بشموليتها.
• الحقوق القومية المشروعة لا تتأسس واقعياً إلا على الحقوق المدنية والحريات الأساسية ومبدأ المواطنة وسيادة القانون وعمومية الدولة؛ أي على نسيج اجتماعي وطني متماسك محكوم بحقيقة التنوع والاختلاف وبمبدأ الحرية.

ب- الأحزاب السياسية العربية والكردية
لا شك أن أيديولوجيات الأحزاب القومية العربية استبعدت الأكراد وأقصتهم من دائرة رؤيتها، ولم ترَ فيهم سوى أغيار، وبالتالي رأت في عدم الاعتراف بوجودهم الواقعي، ومن ثم بحقوقهم، هو الحل النهائي للمشكلة، لذلك لم تعترف بوجود مشكلة كردية في الواقع. كذلك فإن أيديولوجيات الأحزاب القومية الكردية لم ترَ في العرب سوى أغيار يحتلون جزءاً من “وطن الأكراد” ويغتصبون حقوقهم ويضطهدونهم. في الحقيقة لا يمكن الحوار بين هاتين الرؤيتين. كما لا يمكن الوصول إلى حل مشكلة بهذا المستوى من الأهمية والتعقيد حلاً أيديولوجياً أو بدلالة الأيديولوجية، ولابد من تلمس حلول واقعية.

ج- حل القضية الكوردية في سورية
• في العموم، ما زالت المنطقة أسيرة الترتيبات التي وضعتها الدول الكبرى في الماضي بكل ما تحمله وما يتداخل معها من مصالح وتوازنات ونزاعات وتناقضات محلية وإقليمية ودولية. وقد شاءت الظروف التاريخية والتحالفات الدولية أن تضع الشعب الكوردي موزعاً بين عدد من أقطار الدنيا، فأراضيه واقعة داخل أطر دول مستقل بعضها عن بعض. وما زالت قضيته أسيرة التوازنات والنزاعات الإقليمية والنظام الدولي، وبالتالي فإن حل القضية الكردية كقضية قومية عامة ليس مرتبطاً بسورية وحدها ولا بالعرب كلهم، إلا في حدود معينة، وإلا كطرف من عدة أطراف.
• وبالضرورة من هذا المنظور لا بد من التوصل إلى حلول مرحلية مناسبة للوجود القومي الكردي داخل الحدود المتعارف عليها دولياً لدول المنطقة، إذ لن يكتسب حق تقرير المصير الأهمية اللازمة في أي بلد ما لم تعالج قضية الشعب الكردي بكامله، وليس في دولة واحدة من الدول التي يتواجد فيها.

1- محدِّدات أساسية
1- كان ولاء المواطنين السوريين الأكراد، ولا يزال، خالصاً لوطنهم السوري ومجتمعهم السوري ودولتهم السورية، والمطلوب من السوريين اليوم هو النظر للقضية الكردية كقضية وطنية سورية بامتياز.
2- لا يمكن تحميل السوريين عبء ما فعله النظام السوري، وتحميلهم مسؤولية ما لاقاه الكرد في سورية من عسف وظلم، فالنظام فرض على السوريين جميعاً، عرباً وكرداً، العزلة وعدم التواصل والتعرف إلى آلام وآمال بعضهم بعضاً، ولم يبدؤوا بكسر هذه القاعدة إلا مع بداية الثورة.
3- إن كلاً من القوى السياسية العربية والقوى السياسية الكردية في سورية تستحق النقد فيما يتعلق بطرق وآليات التعاطي مع القضية الكردية، خاصة ما يتعلق بتغليب الأيديولوجية على السياسة. فمعظم الخيارات السياسية والأيديولوجية للقوى السياسية في سورية، بل ولجميع فئات الشعب السوري، قد نمت وتكونت في ظل بيئة استبدادية، ولم يتح لهذه الخيارات بعد التكون في بيئة صحية. فما يحتاجه السوريون جميعاً هو فسحة من الأمل والديمقراطية لإعادة تكوين قناعاتهم ورؤاهم، وإعادة النظر بهوياتهم الموروثة أو المشوهة، الأمر الذي يخفف من حدة الدفاع عن الموروثات ويرفع من سوية الدفاع عن الخيارات الحرة.
4- من غير الممكن في اللحظة السياسية الراهنة حل المشكلة الكردية في سورية دفعة واحدة، وهي التي لم تنشأ في لحظة ما، بل لها مسار تراكمي كبير عبر الزمن. بالتالي من الطبيعي أن تكون “الصفة المؤقتة” إحدى صفات أي حل عقلاني مطروح اليوم، ويأتي الحل المتكامل بعد استقرار الهوية الوطنية السورية، والذي ينبغي له أن يتخذ آنذاك من الشرعة الدولية لحقوق الإنسان الأساس والمنطلق، وهو ما سيضمن الحل الديمقراطي العادل للقضية الكردية.
5- الدولة السورية معنية بحل مشكلة السوريين الأكراد فيها، وغير معنية اليوم بحل المشكلة الكردية في أي بقعة أخرى، إلا من باب المشاركة مع الدول الإقليمية والعالمية مستقبلاً فيما لو أصبحت قضية الكرد على جدول أعمال العالم. بالتالي من غير الحكمة البحث في هذه اللحظة السياسية عن حل شامل للقضية الكردية يسمح بفتح كل أبعادها أو السماح لأطراف غير سورية بالتأثير في هذا المسار. سورية وحدها لا تستطيع حمل عبء المسألة الكردية في كليتها القومية، إنها لا تستطيعه إلا في سياق نهضة حقيقية تطال دول المنطقة، وإلا وضعت وجودها ذاته في مهب العواصف.
6- من الضروري العمل على رفع سوية المشاركة الكردية في الثورة، والحرص على وحدة الحراك الشعبي في سورية. كما ينبغي العمل على إفشال خطة النظام بتحييد الكرد، والوقوف ضد أي قوى تحاول تيسير مخططات النظام وبث الفتنة بين العرب والكرد، كما من المهم التنسيق على مستوى المعارضة بمجملها فيما يتعلق بالمناطق المحررة في أي بقعة سورية.
7- مع الثورة السورية شرع السوريون بالتعرف على بعضهم بعضاً للمرة الأولى، ودون حواجز، وصاروا يعرفون أنفسهم ويتواصلون، وينهون حقبة طويلة من الاغتراب والانعزال والجهل ببعضهم، وأخذوا يتفاعلون معاً ويتبادلون هوياتهم الجزئية ومعاناتهم وآلامهم، ويستردون ذواتهم التي بددها القمع والاستبداد.
هدف الثورة هو التغيير البنيوي الشامل، وهو الذي لا يعني إسقاط النظام فحسب، بل وتفكيك بنية الدولة الشمولية وإعادة بنائها عبر تأسيس عقد اجتماعي جديد قائم على مبدأ المواطنة المتساوية.

2- الدولة السورية المنشودة وقضية الإثنيات
1- تشكّل الدّولة الوطنيّة الديمقراطية الحديثة الإطار السياسي والحقوقي الأرقى لتنظيم الحياة العامة في سورية، وسورية المستقبل هي لكل السوريين على نحو متساو وعادل دون تفاوت أو تفاضل، والانتماء لسورية هو القاسم المشترك بين السوريين، وليس هناك سوري أكثر سوريّة أو أقل من سواه. وأيّ نظامٍ سياسي يستمد شرعيتَه من هيمنة أغلبية دينية، أو طائفية، أو أيديولوجية عرقية، إنما يقوّض الديمقراطية وينتهكُ كلَّ نزوعٍ نحو المساواة.
2- أمام الدولة السورية هناك شعب سوري، ومواطن سوري: وهذه الثلاثية (الدولة السورية، الشعب السوري، المواطن السوري) هي أساس ومنطلق التعاطي مع أي قضايا أو إشكالات مطروحة على السوريين. أما الحديث عن “شعب كردي” و”شعب عربي” فميدانه المجتمع المدني السوري المنفتح على كل الآراء والمصالح، واستناداً للحوار الذي يمكن أن يدور، وبعد استقرار الهوية الوطنية السورية تدريجياً، تتحدد طبيعة الدولة السورية وهويتها.
فقضية الحديث عن “شعب كردي” و”شعب عربي” في سورية ليست محل خلاف طالما أن ذلك يجري في مستوى المجتمع المدني وليس على مستوى الدولة السورية، دولة الجميع، فالمسألة تتعلق أولاً وآخراً بالإشكال المعرفي أو الاختلاط المتمثل بوجود شعبين في دولة واحدة، بمعنى أنه لا ينبغي للدستور السوري أن يتحدث إلا عن الدولة السورية والشعب السوري والمواطن السوري.
3- تاريخ سورية ليس تاريخ عرق بعينه أو دين أو مذهب دون سواه، بل هو تاريخ كل هذا التنوُّع الثقافي والسياسي والديني والاجتماعي.
4- سورية جزء من العالم العربي، وليس في ذلك إنكار للوجود الكردي أو لوجود أي إثنية أخرى في سورية، وهذا تؤكده حقائق التاريخ والجغرافيا والحاضر.

3- الإجراءات المرحلية المطلوبة
• يتضمن حق تقرير المصير، كما هو معروف، الإدارة الذاتية، الحكم الذاتي، الفيدرالية، الكونفدرالية، الاستقلال. وحق الاستقلال لا يعني بالضرورة وجوب الاستقلال، كما أن الإدارة الذاتية أو الإدارة المحلية، في السياق الديمقراطي، هما صيغتان من صيغ الاندماج الصحي القائم على الوحدة والتنوع.
• أي حل مرحلي عملي فيما يخص القضية الكوردية في سورية ينبغي أن يخضع لمصلحة سورية العامة والإرادة السورية العامة، فضلاً عن ارتباطه بالأوضاع الإقليمية والعربية والكوردية والعالمية، ولتوازنات القوى والمصالح والتناقضات المتشابكة.
• الحلول القائمة على التوازن ما بين النظريات الحقوقية والاعتبارات السياسية هي المجدية، فالحلول التي تنطلق وحسب من النظريات الحقوقية لا معنى لها، ولا تمتلك دائماً فرصة التطبيق العملي.
• يحتاج حق تقرير المصير إلى مرحلة انتقالية في سورية يجري خلالها تجاوز آثار الدولة الشمولية وإعادة بناء الثقافة الوطنية والهوية السورية، ومن غير المنطقي وضعه على مائدة بناء الدولة السورية في اللحظة السياسية الراهنة لأنه سيكون خاضعاً للظروف والمعطيات التي خلقها النظام الشمولي.
الحل الإجرائي المناسب في اللحظة السياسية الراهنة هو توسيع نطاق الحكم المحلي، والعمل على إلغاء جميع السياسات والمراسيم والإجراءات التمييزية المطبقة بحق جميع المواطنين ومعالجة آثارها وتداعياتها وتعويض المتضررين، وإعلان القطيعة مع الإجراءات العنصريّة والسياسات الإنكارية تجاه الكورد وقضيّتهم، واستعادة عمومية الدولة وإعادة بناء الثقافة والهوية الوطنيتين على أسس ديمقراطية، وإعادة إنتاج مبدأ المواطنة في العلاقات الاجتماعية والسياسية.

+رابعاً: رؤيتنا لعسكرة الثورة السورية والجيش الحر

إن السياسي لا يتخلى عن مهامه في أي لحظة سياسية. لم يكن هناك أي مواطن سوري مع العسكرة عندما انطلقت الثورة السورية، وكذلك خلال الأشهر الستة الأولى على الأقل، لكن عندما تصبح العسكرة أمراً واقعاً رغماً عن الجميع علينا الانتقال نحو مهمة أخرى هي محاولة تنظيمها وضبطها لتكون في أضيق نطاق ممكن، لا أن نجلس ونستمر في خطاب شتَّام للعسكرة أو نعتزل السياسة لأن الواقع لم يذهب في الاتجاه الذي نريده.
بالتالي، فإن خيار العسكرة هو خيار اضطراري دفاعي، وليس خياراً مبدئياً للثورة السورية، اضطر له شعبنا نتيجة إمعان النظام في عنفه وقتله وتدميره للبلد وقهره لأهلها. ولا شك أننا جميعاً كنا نطمح أن يقوم الجيش السوري باتخاذ موقف مشرف إلى جانب الشعب السوري، لكن ذلك لم يحدث لأسباب يعرفها القاصي والداني. لذلك من الطبيعي والحالة هذه أن تحدث انشقاقات صغيرة، ومع الزمن واستمرار الثورة واستمرار النظام في عنفه ضد السوريين من الطبيعي أن تسعى الانشقاقات الصغيرة للالتقاء والتنسيق والتعاون وتشكيل مجموعات عسكرية من المنشقين وبعض المدنيين المتضررين من عنف النظام.
لقد شكل “الجيش الحر” خيمة عامة للعمل العسكري ضد النظام، وأصبح مع الزمن حقيقة واقعة لا يمكن تجاهلها، على الرغم من معرفتنا للسلبيات العديدة التي تكتنف عمله، خاصة على صعيد التوجهات والاسترتيجيات والإدارة والتنظيم. فقد نشأ في البدايات في إطار الدفاع عن النفس، وكان يعلن أن هدف عملياته هو حماية السوريين من بطش الآلة الأمنية وحماية القرى والبلدات والمدن من الاقتحامات التي تتعرض لها، لكنه رفع فيما بعد شعارات “التحرير” التي تحولت وبالاً على المدنيين، خاصة في ظل نظام مستعد لسفك الدماء وتدمير المدن من دون أي تردد.
نعتقد بضرورة أن يقوم “الجيش الحر” بتنظيم نفسه ووضع المعايير الضرورية لعمله كي يخدم أهداف الثورة في الحرية والكرامة وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية، ومن دونها –كما هو حاصل- يتحول العمل العسكري إلى كارثة على السوريين والبلد، ولعل أهم هذه المعايير:

1- استناد “الجيش الحر” بكافة فصائله إلى عقيدة وطنية ترفض التفرقة بين أبناء الوطن الواحد على أسس قومية أو دينية أو مذهبية.
2- التزام “الجيش الحر” بالتقاليد العسكرية المعروفة في كل الجيوش من حيث الأوامر والتنفيذ والانضباط العسكري ووحدة القيادة، والالتزام بعدم الدخول في نزاعات مسلحة اليوم وغداً بين الكتائب المسلحة في “الجيش الحر” لأسباب تتعلق بالخلاف في الرأي.
3- التزام “الجيش الحر” بما جاء في الشرائع الدينية كافة وفي القوانين والمواثيق والأعراف الدولية فيما يتعلّق بالتعامل مع المدنيين والمنشآت المدنية ومؤسسات الدولة وأسرى الحرب، بما يعني عدم ممارسة أي شكل من أشكال التعذيب أو الاغتصاب أو التحقير بحق الأسير، وعدم التمثيل بالجثث ونبذ الاستعراضات المسلحة.
4- إخضاع الأسرى لمحاكمة قانونية تتوفر فيها الضمانات الكافية للعدالة، ومن قبل أشخاص مختصين وذوي خبرة قانونية.
5- الابتعاد عن الأعمال الانتقامية والثأرية، ومنع حدوثها في المناطق التي يسيطر عليها “الجيش الحر”، والحفاظ على الأمن والسلم الأهليين، ومنع أعمال السلب والنهب والاعتداء على المواطنين.

ولعل المطلوب إلى جانب ذلك من قوى المعارضة السورية و”الجيش الحر” العمل على بقاء المظاهرات السلمية والمقاومة المدنية هي الأساس وجوهر الثورة السورية المطالبة بالحرية والكرامة. كما نعتقد أن من واجب المعارضة السورية رفع وتيرة التنسيق بين أطرافها من أجل توفير مظلة سياسية واحدة لـ “الجيش الحر” تتيح له العمل في ظلها، والتزام هذا الجيش بالبقاء تحت سلطة هذه المظلة السياسية اليوم وخلال الفترة الانتقالية حتى يعاد النظر في إعادة بناء وهيكلة المؤسسة العسكرية.
إن أي عمل عسكري لا يلتزم بالمعايير السابقة لن يخدم الثورة السورية، بل وسيتحول إلى عبء حقيقي عليها، وسيجلب مخاطر متزايدة على الدولة والمجتمع السوريين. والشجاعة السياسية والأخلاقية تفترض بنا أن ندين أي عمل مسلح يخرج عن هذه المعايير، فالإخلال بالمعايير أو الاشتراطات السابقة من شأنه أن يجر البلد والسوريين إلى كوارث لا تنتهي، كما من شأنه أن يأخذ الثورة السورية بعيداً من الأهداف التي أعلنتها لنفسها، إذ ستكون الفوضى هي المصير الذي ينتظر السوريين في حال لم يتم التقيد بالاشتراطات المذكورة. إن المعركة مع النظام طويلة الأمد، وتحتاج إلى التحلي بالصبر، وإلى تحقيق التفوق عليه في المجالات كافة، وخاصة في المجال الأخلاقي والقيمي.
تحتاج سورية في المستقبل القريب إلى وجود جيش وطني قوي، وهذا الجيش غير متوافر حتى اللحظة، فالجيش النظامي العقائدي دخل في معركة غير شريفة وغير وطنية مع الشعب السوري، وكان أداة بيد الطغمة الحاكمة لاستمرار حكمها، فضلاً عن الفساد الذي ينخره، أما الجيش الحر فإنه لم يتحول إلى جيش وطني متسلح بعقيدة وطنية، لأسباب عدة، منها آلية تشكله، وافتقاده للاستراتيجيات العسكرية، وعدم وجود مظلة سياسية حقيقية له، فضلاً عن تحكم الممولين به وافتقاده للقرار الوطني المستقل.
من هنا، ينبغي دعم تشكل جيش وطني سوري يملك عقيدة وطنية، يحافظ على استقلالية القرار الوطني، ويكون في خدمة الشعب السوري، ونرى أن هذا الجيش سيكون قوامه في المستقبل من العناصر الوطنية في كل من الجيشين النظامي والحر، فضلاً عن العناصر الوطنية المندرجة في كتائب وجماعات مسلحة مختلفة التوجهات.

+خامساً: مسألة التدخل الخارجي

لا يكفي مناقشة مسألة “التدخل الخارجي” بكلمات بسيطة، سواء لجهة الموافقة على التدخل أو رفضه، فالمسألة لا تعالج من خلال طهرانية مريضة، ولا عبر خطاب سياسي فج. لا التعفف مفيد ولا الفجور مفيد في التعاطي مع مسائل سياسية دقيقة.
أي خيار سياسي يفترض أن يوضع في المحصلة في ميزان الربح والخسارة من زاوية المصلحة الوطنية. أي يجب مناقشة تفاصيل هذا التدخل – إن كان مطروحاً – وآلياته ومراحله ووسائله وأطرافه ومدته وتأثيراته ونقاطه الايجابية والسلبية والمكاسب والخسائر من زاوية مصالح سورية والسوريين. وعندما نناقش كل ذلك يمكن وقتها تحديد موقف واضح من الموضوع.
في الحقيقة إن المطالبين بالتدخل ليسوا قادرين على إقناع العالم بالتدخل إن كان العالم لا يريد التدخل أصلاً، كما أن الرافضين للتدخل لا يستطيعون أيضاً إقناع العالم بعدم التدخل إن كان الأخير قد عقد العزم على التدخل، فهذا الـ “الخارج” ليس رهن إشارة أحد، ولا أحد يستطيع أن يمنعه أو يحرضه، وهو لا يتدخل إلا إن أراد هو أن يتدخل، وإن تدخَّل فإنما يتدخل انطلاقاً من رؤيته واستراتيجيته ومصالحه. فالحقائق السياسية تبقى أقوى من الشعارات، والجميع مضطر للتعامل مع هذه الحقائق حتى لو لم يكن يرغبها أو يؤمن بها. بالتالي، فإن جميع القوى السياسية مضطرة للتعامل مع المسائل المتعلقة بالتدخل الخارجي وتفاصيله فيما إذا أصبح هذا الأخير حقيقة واقعة، والأمر ذاته ينطبق على المطالبين بالتدخل الخارجي، فيما لو بقي أمره في عداد الوهم السياسي.

لكن إن أردنا وضع محددات عامة حول مسألة التدخل الخارجي، فإننا نقول:

1- النظام هو من يدفع البلاد نحو التدخل الخارجي
إن من يدفع باتجاه التدخل الخارجي هو سياسات النظام الحمقاء منذ اليوم الأول للثورة، فالسياسات الغبية هي مصدر وأساس لكل تدخل خارجي من أي نوع، إذ لو لم يقمع النظام السوري شعبه ويمارس كل فنون القتل والتعذيب والتهجير لما تحرك العالمان العربي والدولي ضده.
2- الطاقة الذاتية للحراك الشعبي هي الجوهر والأساس
الحراك الشعبي هو أساس الثورة السورية، ولذا ينبغي أن يكون له الأولوية في عملية التغيير، وأي دعم عربي أو دولي هو عمل ثانوي ومساعد.
3- التدخل الخارجي قائم والمطلوب إدارة حكيمة له
لقد دفع النظام الأمور للحد الذي أتاح التدخل في الأزمة السورية لمعظم القوى والدول الإقليمية (تركيا، إيران، العراق، حزب الله) وروسيا والصين والاتحاد الأوربي والولايات المتحدة، بالإضافة طبعاً لجامعة الدول العربية ودولها. بالتالي تصبح مهمة المعارضة السورية القيام بإدارة حكيمة لهذا التدخل بالاستناد لمصالح الشعب السوري ككل والمصالح السورية العليا.
4- الحماية الدولية للمدنيين والقانون الدولي الإنساني
إن طلب التدخل الدولي في هذا المستوى لحماية الشعب السوري من القتل هو مطلب أخلاقي إنساني، ولا يخضع لاعتبارات السياسة، وهو حق أساسي للشعب السوري، وهو يشبه تماماً طلب المعونة الدولية عندما تقع كارثة طبيعية ما. وهنا يجب اللجوء لاستخدام واستثمار هذا القانون بما يساعد على حماية المدنيين.
ينبغي في هذا الشأن العمل على ترجمة مبدأ “التدخل لحماية المدنيين” الذي دخل أروقة الأمم المتحدة والقانون الدولي عام 2005 بحسب الوضعية السورية بكل جوانبها السياسية والجغرافية والسكانية والتاريخية. ولأنّ مفهوم مبدأ الحماية الدولية وتطبيقه أمر دقيق وحسّاس بالفعل، فإنّه ينبغي العمل على إيجاد صيغة جديدة غير مسبوقة لترجمته، بما يحقق الهدف المرجو منه.
5- التفريق بين السيادة الوطنية وسيادة النظام الحاكم
لم تكن سورية خلال أربعة عقود خلت دولة وطنية بالمعنى المعروف، بل لم تكن دولة أصلاً، لأنها ببساطة كانت دولة النظام الحاكم، وبالتالي ليس من الغريب أن تختزل “السيادة الوطنية” لتصبح سيادة النظام الحاكم وحسب. في الدولة الوطنية الأمر مختلف، فالشعب هو السيد والحاكم، وهو يسود ويحكم من خلال المؤسسات، وعبر الآليات الديمقراطية. لذلك يتحدَّد المفهوم السوي للسيادة الوطنية بمدى احترام حقوق الإنسان، وهنا فقط يصبح “الوطن” أكثر من مجرد قطعة أرض وجغرافيا.
لم يكن النظام السوري يملك شرعية داخلية في أي لحظة سياسية خلال العقود الأربعة المنصرمة، بل استند إلى المشروعيات الخارجية لبقائه، وعندما بدأ يفقد هذه الشرعية الخارجية، لم يسعَ إلى اكتساب أخرى داخلية، بل حاول، ولا يزال يحاول، إعادة البحث عن غطاء أجنبي جديد والاعتماد على توازنات وعلاقات خارجية وحسب. السيادة الوطنية الحقة هي سيادة الشعب والمؤسسات الوطنية المنتخبة والمستندة للإرادة الشعبية الحرة والملتزمة بمبادئ حقوق الإنسان، ولا يمكن بأي حال تقليص مفهوم السيادة ليقتصر على سيادة النظام السوري، الفاقد للشرعية، وتحويلها شعاراً للاستبداد السياسي وكبت الحريات العامة.

6- مناقشة الواقع وتفاصيله بدلاً من البقاء في ساحة المواقف العامة
صحيح أن هذا الأمر يبقى احتمالاً ضئيلاً بالاستناد إلى تحليل الواقع السياسي، لكننا نناقشه هنا من زاوية نقد الخطاب السياسي السائد في التعاطي معه. ففي حال أُرغِم السوريون على التعاطي جدياً، ورغماً عنهم، مع مسألة التدخل العسكري، فإن المواقف الرافضة أو القابلة تصبح بالضرورة بلا أي قيمة سياسية، ويصبح من المهم آنذاك التفكير بالواقع القائم الجديد من باب تخفيف الآثار السلبية المترتبة عليه، من خلال دخول معترك النقاش والعمل في التفاصيل الواقعية، وليس البقاء في ساحة المواقف العامة الرافضة أو المؤيدة. أي لا بدّ مثلاً من المطالبة بحضور وازن للأمم المتحدة والجامعة العربية على حساب القوى الكبرى، وبتوافر إشراف وقيادة عربيين، وأن يكون التدخل محدوداً بسقف زمني قصير لا يجوز، وأن لا يترتب على هذا التدخل أي انتقاص من السيادة الوطنية، لا على مستوى وحدة الأرض السورية، ولا على مستوى وحدة الشعب السوري، وكذلك أن لا يلزم هذا التدخل سورية والسوريين بأي اتفاق تسوية لا يضمن عودة الجولان إلى سورية أو ينتقص من دور سورية تجاه القضية الفلسطينية، وأن تكون إدارة المرحلة الانتقالية ما بعد سقوط النظام بيد السوريين فحسب وبإشراف الجامعة العربية.
قد تبدو النقاط السابقة خيالية وغير ممكنة التطبيق في حال حدوث تدخل عسكري، لكن من الضروري وضعها في الاعتبار لتخفيف الأضرار المتوقعة، كما أنه من الهام أن يكون لدينا خطاب سياسي تفصيلي نستند إليه كبوصلة للتحرك والعمل والتعاطي مع القضايا السياسية المستجدة.

+سادساً: النظام والثورة والمعارضة

أ- رؤيتنا للنظام القائم
لقد ظل الوضع الداخلي في سورية محكوماً بسياسات النظام المضادة للإصلاح والتغيير في المستويات كافة، وأكد لنا يوماً بعد يوم على تحوله إلى بنية مغلقة عصية على التغيير وغير قادرة عليه ولا راغبة فيه، الأمر الذي جعل البلاد على الدوام عرضة لأخطار داخلية وخارجية تهدِّد السلامة الوطنية.
الماضي لا زال يحكم الحاضر، الملفات القديمة ما زالت حاضرة بقوة، لم يجد أي منها طريقه إلى الحل، سواء ما يتعلق بالسياسة أم بالاعتبارات الإنسانية، بحكم المصالح الضيقة والرؤى اللاعقلانية للنظام الذي يعتمد آلية وحيدة في التعاطي مع الداخل السوري تقوم على سياسة القتل والقمع والاعتقال، وتعبر هذه السياسة بلا شك عن الأزمة المستفحلة في علاقة النظام بالمجتمع السوري الذي لا يريد له إلا أن يكون متفرجاً وصامتاً ومباركاً لكل ممارساته.
لقد كانت سياسات النظام الداخلية هي المصدر الأول والرئيسي لتفاقم الأزمة الداخلية ما قبل الثورة، التي تتجسد في استمرار احتكار السلطة، ومصادرة إرادة الشعب، ومنعه من ممارسة حقه في التعبير عن نفسه في مؤسسات سياسية واجتماعية، والاستمرار في التسلط الأمني والاعتداء على حرية المواطنين وحقوقهم في ظل حالة الطوارئ والأحكام العرفية والإجراءات والمحاكم الاستثنائية والقوانين الظالمة (بما فيها القانون 49 لعام 1980 والإحصاء الاستثنائي لعام 1962)، ومن خلال الأزمة الاقتصادية الخانقة والمزمنة، التي تكمن أسبابها الأساسية في النهب والفساد الممارسين في مستويات عليا، وسوء الإدارة وتخريب مؤسسات الدولة، وهو الأمر الذي أدى إلى تعطيل جميع أشكال التنمية الوطنية والبشرية ووضع فئات واسعة من شعبنا في أوضاع مزرية من الناحية المعيشية لا تدري كيف تتدبر قوت يومها. سياسات النظام الإقليمية والخارجية هي أيضاً لم تخدم المصالح الوطنية العليا، إنما خدمت في الأساس استمراريته، ولذلك كانت سياسات مغامرة ومدمرة وقصيرة النظر، تنقل البلاد من خطر إلى خطر، ومن مأزق إلى آخر.
السياسة الخارجية اللاعقلانية، وسياسة النهب والفساد في الداخل، وسيطرة الأجهزة الأمنية، وانعدام الآليات الديمقراطية، كل ذلك دفع باتجاه انطلاق الثورة السورية في آذار 2011، بالاستفادة من الروح التي خلقها الربيع العربي، من أجل استرجاع مجتمعنا لوعيه وإرادته وثقته بنفسه، وليتحول إلى ذات حاضرة وفاعلة بعد عقود من إقصائه وتهميشه، وتحسين أوضاعه الحياتية والمعاشية، وليكون آنئذ فقط قادراً على مواجهة مشاريع القوى الإقليمية والدولية الساعية للسيطرة على المنطقة.
نعتقد أن تشخيص النظام كبنية وآليات وخطاب معروف بالنسبة لجميع أطراف المعارضة، مهما تنوعت انتماءاتهم وتصوراتهم، فمنذ انتهاء ربيع دمشق كانت المقولة الدارجة في أوساط المعارضة هي أن “النظام لا يَصلُح ولا يُصلِح ولا يُصلَح”. وهذا أصبح واضحاً أكثر بعد انطلاق الثورة السورية، فالنظام ليس أكثر من سلطة ضيقة مستعدة لسفك دماء السوريين واضطهادهم دون هوادة للإبقاء على هيمنتها على البلاد، والتي لم تتوان عن استثارة العنف والطائفيّة والتدخّلات الأجنبيّة كي تبقى.
لقد أصبح شعار “إسقاط النظام” مركزياً في الحراك الشعبي للسوريين، وينبغي أن يكون الشعار الأساسي للقوى السياسية. بالطبع ليس المطلوب الذهاب نحو الغوغائية التي ينحو باتجاهها البعض، لكن باعتقادنا يمكن إنتاج خطاب سياسي يجمع بين ما يطرحه الناس في الشارع وما تعتقد القوى أنه صحيح سياسياً في أي لحظة سياسية، وهذا يحتاج إلى الكثير من الدقة والتأني والبراعة السياسية.

ب- أداء المعارضة منذ بداية الثورة
أمراض المعارضة السورية معروفة منذ زمن بعيد، بعضها ذاتي وبعضها الآخر موضوعي، ومنذ بداية الثورة كانت حاضرة في كل المحطات. فقد تكشَّفت السنتان الماضيتان عن نواقص وثغرات وعيوب عديدة في المعارضة السياسية بالمجمل، ومنها: ظاهرة الكل ضد الكل، وحملات تشهير دائمة على مستوى الكتل السياسية والأفراد، وظاهرة الذات الفردية التي تضع نفسها فوق الجماعة والبلد والثورة، والسعي إلى الكسب المؤقت والتنازع على المناصب على حساب الرؤية الاستراتيجية والسياسية، وظاهرة اختزال السياسة إلى مجرد “شعارات”، وظاهرة “الشبيحة الجدد” الذين يستندون إلى أرضية النظام السياسية ذاتها، وظاهرة “البلاهة السياسية” التي جعلت الجميع يفهم ويعرف بكل شيء فجأة ودون تعب.

ج- وحدة المعارضة

1- معنى التوافق والاختلاف
ثمة صفات عديدة تميز العمل الائتلافي أو التحالفي، فهو يقوم على مبدأ التوافق وليس التطابق، ويقر بالاختلاف في الرؤى والتصورات ويحترم التنوع داخله وخارجه. لذا فإن نجاح أي تحالف أو ائتلاف غير ممكن دون روح التفاوض والتسوية والحلول الوسط، فهذه الروح هي جوهر ممارسة السياسة، وهي التي تسمح بالعمل من خلال القواسم المشتركة والإقرار بوجود اختلافات في آن معاً.
القوى السياسية الحقة هي التي لا ترى نفسها إلا في حالة تشاركية توافقية، يمكن من خلالها اختبار مفاهيمها ورؤيتها ليصار إلى تجديدها وتطويرها وتصويبها، فالعمل الائتلافي يدفع جميع القوى المشاركة فيه لتصحّح من نظرتها لنفسها وللآخرين، ولتعرف حجمها وقدرتها على التأثير في هذا الواقع المعقد والمركّب، مما يخفف من حدة الادعاءات الذاتية، فالواقع المعقد لا يعطي أي حزب أو تيار أو فرد حق الادعاء بدور استثنائي، أو الحق في نبذ الآخر وسلبه حق الوجود والمشاركة.
إن الاندراج في تحالف عريض لا يلغي الحق بالتعبير الصريح عن الاختلاف في وجهات النظر أو في النقد. إذا أردنا أن تعيش القوى المعارضة وتتطور، ينبغي عليها أن تنجح في اختبار الحفاظ على الجدل الفكري والسياسي من دون انقسام وفرقة، فديناميكية المعارضة وتطورها لا يحصلان من دون النقد والتصحيح الدائمين.
إن إغناء الحركة الديمقراطية لا يكون إلا بالنقاش الداخلي المشروع والمثمر. ولا ينبغي أن نسمح للاستبداد أن يشجعنا على التغطية على اختلافنا، ويمنعنا من التفكير فيه، وبالتالي الخروج من النقاش بحلول مقبولة للجميع والتوصل إلى أرضية صلبة تضمن استمرارنا وتماسك صفوفنا.
علينا أن ننظر إلى أي اختلاف، مهما كانت النوايا الكامنة وراءه، على أنه تعبير عن قراءة مغايرة للأحداث، وعن وجهة نظر مختلفة في التحليل، تستند ربما إلى معطيات ناقصة أو غير مكتملة، لكن لا تستبطن بالضرورة موقفاً معادياً، وتبقى بالتالي وجهة نظر مشروعة، تستحق المناقشة والاحترام، ولا يمنع شيء من تجاوز الخلاف الذي تجسده عن طريق الحوار والنقاش. من دون ذلك ليس هناك ما يضمن ألا يتحول الاختلاف الفكري والسياسي إلى إدانة أخلاقية أو سياسية للغير المختلف، ويصبح هو بدوره حاضناً لنزاعات متجددة ومولداً لانقسامات لا تنتهي.
المعارضة السورية مطالبة اليوم بما هو أكثر من ذلك، أي السعي التدريجي لإحراز تقدم في مفهوم العمل الإئتلافي المشترك لصالح بناء حركة تتجاوز الأحزاب، وتفتح المجال لمشاركة مفتوحة وواسعة عبر جذب الطاقات العديدة الموجودة خارج الأحزاب، وهذا ممكن في حال اقتناع الأحزاب بضرورة تقديم مثل أعلى في القدرة على التوافق والعمل المشترك، رغم التباين، لمن هم خارجها.

2- نحو إعادة توحيد المعارضة
لا معنى لمصطلح “المعارضة” في ظل وجود نظام استبدادي شمولي، لأن الاستخدام الصحيح له لا يكون إلا في ظل نظام ديمقراطي شرعي، لكننا نستخدمه للدلالة على القوى الرافضة للنظام، وباعتباره جسراً مؤقتاً للعبور إلى مرحلة جديدة.
من الجدير الاعتراف بأننا نمر اليوم في مرحلة حرجة قد يتوقف عليها مستقبل سورية، خاصة في ظل أزمة الثقة الحاصلة بين القوى السياسية في المعارضة، ونظنها تحتاج منا إلى إدراك وتفهم سريعين، يتبعهما تصرف حكيم ومدروس، مثلما تحتاج إلى نقد أنفسنا، على الأخص ما ظهر من قصورنا وطرائق عملنا البائسة طوال الأعوام الثلاثة المنصرمة.
ثمة أزمة سياسية شاملة اليوم في سورية. هذا الأمر لا يختلف عليه إثنان. تحليل هذه الأزمة أيضاً متفق عليه في العموم، وتوجد بعض الجزئيات المختلف عليها، لكن الأمر الذي يستدعي النقاش حقاً اليوم هو أزمة المعارضة. العامل الأساسي في أزمة المعارضة يكمن في غياب مركز أو ناظم لحركتها السياسية، وهذا يفسِّر إلى حد ما الإرباكات الحاصلة في مجمل الحركة السياسية والمدنية والحقوقية في سورية.
إن توحيد المعارضة الوطنية على أسس ديمقراطية يفترض ضرورة تطوير آليات العمل، من خلال إطار سياسي واسع ومرن، وابتكار الصيغ التنظيمية الملائمة لطبيعة المرحلة، والكفيلة بغرس المعارضة في الواقع وتحولها لإحدى القوى المؤثرة فيه. ليس المقصود بالطبع من وحدة المعارضة السعي نحو إيجاد شكل تنظيمي واحد ونهج واحد وبرنامج سياسي واحد، إنما تعني هذه الوحدة التوافق على مبادئ وأساسيات عامة، وتوفير إطار تنظيمي يسمح بالحركة الحرة لأطرافها والمحافظة على برامجها الخاصة وهياكلها التنظيمية. الوحدة بهذا المعنى تسمح بتوزيع الأدوار والتكامل بينها، خاصة في هذه المرحلة، لصالح تحقيق الأهداف الأساسية والتحدث بصوت واحد إلى الشعب السوري والعالم.
الوحدة بهذا المعنى مطلوبة لأسباب عديدة: ضرورة وجود ناظم سياسي للحراك الشعبي، وعدم إفساح المجال للنظام باللعب على خلافات أطراف المعارضة، والتخفيف من التصريحات الإعلامية الذاتية والتصرفات الفردية غير المسؤولة باسم المعارضة السورية، خاصة تلك التي تتجه نحو بناء علاقات غير مدروسة مع دول العالم باسم المعارضة السورية، وتطمين الشارع السوري بإمكانية وجود كتلة سياسية قادرة على إدارة فترة انتقالية، وإيصال رسالة كذلك للخارج ودوله بوجود بديل مناسب مرحلياً ومؤقتاً، كما يكتسب هذا العمل المزيد من الأهمية في ظل حالة إسهال المبادرات والمؤتمرات وبما تسببت به من تشويش.
إدراك هذه الضرورات أساسي كي تلعب المعارضة دور “الجسر المؤقت” بين الثورة والمستقبل. هذا يعني أن كل العقليات التي تنطلق من اعتبار نفسها ممثلة لمعارضة الداخل أو تلك التي تتعامل على أنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب السوري هي عقليات مدمِّرة ولا تنتج إلا الخراب، لأنها شكل من أشكال الاستبعاد والإقصاء التي هي جوهر النظام السياسي القائم في سورية.

د- خطاب المعارضة وثقافتها

1- مرتكزات أساسية لخطاب سياسي عقلاني

1- التواضع بمعانيه الأخلاقية والسياسية
إن التواضع، بمعانيه الأخلاقية والسياسية، بداية جيدة للعمل المشترك والجماعي، وهذا يعني ضمناً ضرورة أن نترك للمستقبل مهمة تحديد قيمة أدوارنا جميعاً وفاعليتها، والانطلاق للتركيز على خدمة الهدف والعمل المشترك. لذلك لا تدل المنازعات القائمة على مستوى المعارضة إلا على قصر النفس وعدم الثقة بالذات وعدم الدراية بمسارات تطور التاريخ. للأسف دخلت أطراف المعارضة في عراك سياسي ضار، ولا مبرر له، خاصة أن مسار الثورة والوضع في سورية يتطلبان الاجتماع على رؤية سياسية جامعة، وليس التنازع على الشرعية والتمثيل.
2- امتلاك ناصية خطاب ثوري-سياسي عقلاني:
وهو خطاب يجمع بين الجذرية والوضوح في الموقف السياسي، والحكمة في الأداء والخطاب السياسيين. والجذرية هنا هي الموقف الواضح القطعي من النظام القائم، أما السياسة العقلانية فهي التعامل مع هذا الوضوح في الموقف السياسي بطريقة عقلانية تأخذ في الاعتبار موازين القوى الواقعية، والاستمرارية في العمل من أجل تحقيق الهدف الواضح.
3- خطاب سياسي غير شعبوي ولا أيديولوجي:
ليس من مهمة المعارضة انتهاج خطاب شعبوي هاجسه كسب الشارع بأي طريقة كانت، أي التحول إلى مجرد جهاز لترديد مقولات الشارع – الذي لا يلام على خطابه – دون تعديل أو تطوير أو إيضاح أو ترتيب، أو بشكل يتعارض مع المنطق السياسي. فأي قول للشعب هو قول غير نهائي، وأي تأييد من الشعب لفرد أو مجموعة غير مطلق.
إذا كان السياسي أو المثقف يبني خياراته ومواقفه بالاستناد فقط إلى رأي الناس في لحظة معينة فلا ضرورة لوجوده، إذ لا معنى لوجود المثقف أو السياسي إذا لم يكن قادراً على التأثير في رأي الناس ومالكاً لرؤية استشرافية للمستقبل بعد فهمه واختزانه لمعطيات الحاضر، وبالمقابل إذا كان هذا السياسي أو المثقف يبني خياراته فقط استناداً للأفكار والأيديولوجيات التي يحملها فهو حكماً في عداد الموتى ولا ينتج إلا سياسات مفتقدة للحياة.

2- ثقافة المعارضة
لقد تكونت الثقافة السياسة للمعارضة في ظل الاستبداد، وكان لها دور بارز في التأثير على مسيرة الثورة والخلافات التي ظهرت في مجالات عديدة، ولعل أبرز العناصر المطلوبة منها اليوم هي:

1- ممارسة سياسية لا أيديولوجية:
لغة السياسة تتجاوز لغة الدعوة الأيديولوجية إلى دراسة منطق الواقع واتجاهاته وميوله وإمكانياته، وتأخذ بعين الاعتبار البشر وطاقاتهم وأفكارهم والعقبات القائمة والآليات المناسبة. السياسة تبحث عن بشر واقعيين، وعن ممكنات ومداخل واقعية، وعن استراتيجيات ومراحل وتكتيك، أي عن التفاصيل والآليات والمراحل والبرامج، أما الأيديولوجيا وأنصارها فلا يعرفون إلا الدعوة إلى الهدف بمنطق سحري وديماغوجي لا يقدِّم ما هو مثمر بل يساهم في زيادة التشويش والتعمية.
2- الثقافة الديمقراطية:
لعل إحدى مهام القوى السياسية تتمثل في إعادة تأهيل فكرها وممارساتها لتتوافق مع القيم والمبادئ الديمقراطية، والقيام بدورها في تعميم الثقافة التنويرية والديمقراطية في المجتمع، لأن الديمقراطية في الأساس ظاهرة مجتمعية، فهي نظام للمجتمع إلى جانب كونها نظاماً للدولة. أي ينبغي الذهاب نحو شرح وتعميم المعاني العميقة لشعارات الحرية والكرامة ومدلولاتها السياسية وتجذير وتبيئة مفاهيم حقوق الإنسان والمجتمع المدني، فهذا هو ما يقطع الطريق على نمو ظواهر استبدادية أخرى.

ه- مناقشة لبعض التصورات السائدة خلال الثورة

1- أوهام، لكنها عقبات
ثمة عددٌ من الأوهام التي تعشش في رؤوسنا كسوريين، على اختلاف مواقعنا أو انتماءاتنا، لكن هذه الأوهام تشكل اليوم عقبات جدية في طريق عبور سورية نحو المستقبل، أي نحو تحول سورية إلى دولة وطنية ديمقراطية، دولة مستقرة وآمنة، ولجميع مواطنيها:
1- وهم حدوث تدخل عسكري خارجي بالمعنى المباشر، سواء رفعنا صوتنا عالياً مطالبين به، أو أنهكنا أنفسنا بشعارات رفض التدخل العسكري، والفترة السابقة دليل كاف لمن يفكر واقعياً بعيداً عن الرغبات، لذا من الأفضل عدم التعرض لهذا الأمر لا بصيغة الطلب ولا بصيغة الرفض، فالصيغتان غبيتان ولا قيمة لهما.
2- وهم القدرة على الحسم العسكري دون وجود توافق دولي إقليمي حول المرحلة الانتقالية، فالنظام غير قادر على حسم المعركة، لكنه قادر على الاستمرار بالقتال إلى زمن غير معلوم، ومجموعات المعارضة المسلحة لا تستطيع لوحدها إنهاء النظام لكنها قادرة على استنزافه بشكل دائم.
3- وهم الاعتقاد بأن الوضع في سورية هو حرب طائفية أو مذهبية، إذ على الرغم من أن النظام وبعض المعارضة يحاولان دفع الأمور في هذا الاتجاه، ورغم وجود بعض الحوادث المستنكرة التي تدلل على ذلك، فإن العنصر الرئيس الذي لا يزال مسيطراً على اللوحة العامة هو حرب من النظام ضد السوريين، وثورة سورية ضد النظام وليس ضد طائفة معينة.
4- وهم إمكانية ذهاب أي طرف من أطراف المعارضة للتفاوض مع النظام دون حفظ الحد الأدنى من متطلبات الثورة، فالنظام بغروره وعنجهيته أغلق الباب على كل المعارضات، وبالتالي لا تستطيع أي معارضة إجراء أي حوار معه، لأنها إن فعلت فستكون خارج دائرة المعادلة السياسية ولن يكون بإمكانها إقناع السوريين بسلوكها.
5- وهم استمرار النظام بكل آلياته وأجهزته وأركانه ورموزه، ووهم زوال النظام بكل آلياته وأجهزته وأركانه ورموزه، فأي مرحلة انتقالية ناجحة وتحافظ على سورية كدولة لابد أن تأخذ في الاعتبار عدم إمكانية استمرار سورية دون مشاركة جزء من النظام القائم في مرحلة انتقالية، وهذا الجزء يصغر أو يكبر استناداً لموازين القوى على الأرض أولاً، وموازين القوى الإقليمية والدولية ثانياً.
6- وهم الاعتقاد بإمكانية إقامة دولة إسلامية أو دولة خلافة في سورية، إذ سواء كان البعض مع هذا النمط من الدول أو ضده فإنه غير ممكن في سورية، والنمطان الوحيدان اللذان يستطيعان جمع السوريين بتنوعهم الكبير هما الدولة الوطنية الديمقراطية والدولة الاستبدادية. الأولى تجمعهم بوصفهم مواطنين أحراراً، والثانية تجمعهم بوصفهم عبيداً كما كان في السابق، لكن هذه الدولة أصبحت مستحيلة.
7- وهم إمكانية إقامة دولة علوية في سورية، فهي دولة غير قابلة للتطبيق أو الحياة، لا دولياً ولا اقتصادياً ولا جغرافياً ولا ديمغرافياً، والأهم أنها ستكون مرفوضة من الغالبية العظمى للسوريين بكل انتماءاتهم ومهما كانت مواقعهم واختلافاتهم.
8- وهم الاعتقاد بقدرة الأكراد في سورية على الانفصال عن سورية والالتحاق بدولة كردية (لأن ذلك يحتاج إلى توافق روسي أميركي أولاً، وتوافق إيراني تركي عربي ثانياً، وكلاهما غير متوفرين، فضلاً عن عدم وجود عوامل مساعدة على الأرض جغرافياً وديمغرافياً، والأهم أن الأصوات الكردية الداعية للانفصال لا تزال محدودة.
9- وهم الاعتقاد أن سورية ستستقر مباشرة بعد رحيل النظام، فهناك ضريبة سندفعها، لكن يمكن التخفيف من حجمها بإجراءات وآليات عديدة يفترض أن تحوز على اهتمام كبير من الجميع، على أن العنصر الأساسي في تخفيف حجم الضريبة هو الطريقة التي سيغادر فيها النظام. يرتبط بذلك وهم آخر هو وهم القدرة على خلق سلم أهلي في سورية دون تحقيق فكرة العدالة الانتقالية، أي لا يمكن تصور أن تتحقق حالة سلام مجتمعي ومصالحة وطنية حقيقية دون ضمان جانبين أساسيين هما: المحاسبة القضائية العادلة من جهة، والتعويض المادي والمعنوي على المتضررين من جهة ثانية.
10- وهم الاعتقاد بأن الثورة يمكن أن يتضافر حولها معظم السوريين وتنجح في اجتذاب بقية فئات المجتمع السوري دون وجود قيادة سياسية حقيقية، موثوقة، وتحظى بالاحترام. فالمعارضة كانت في الحقيقة عبئاً على الثورة ولم تستطع أن تشكل بوصلة سياسية قادرة على جمع السوريين حولها من جهة، وعلى ضبط إيقاع الثورة ومسارها وحركتها من جهة ثانية.

ويبقى الوهم الأكبر هو الاعتقاد أننا نسير في الطريق الصحيح في الوقت الذي لا نزال نحمل فيه الأوهام السابقة في رؤوسنا.
في الواقع نكتشف عملياً أننا نصرف الكثير من وقتنا حول الأوهام، نفكر فيها ونختلف حولها، ثم نتعارك وننقسم ونتشظى استناداً إليها أو من أجلها، وتكون الحصيلة كوارث لا تنتهي، ولا نكتشف عبثية قناعاتنا وأعمالنا إلا بعد فوات الأوان.
أول الغيث هو في رمي الأوهام في المزبلة، وتحرير العقل من أسرها وتحكمها، والانطلاق نحو التعامل مع الحقائق والممكنات، فكلنا –بشكل أو بآخر- مصابون بداء الانفصال عن الواقع. ولنعلم أن تقليص مساحة الوهم في حياتنا يحتاج إلى إجهاد عقولنا قليلاً، لكنه يحتاج بدرجة أهم إلى الكثير الكثير من جهاد النفس، وذلكم أعظم الجهاد.

2- أخطاء الثورة
كي نفهم حقيقة الوضع في سورية اليوم، والإحاطة بأسباب الأخطاء المرافقة للثورة في مظاهر متعددة، لابد لنا من رؤية بعدين متلازمين، إذ إن الاكتفاء بأحدهما قد يؤدي إلى زيف الرؤية، وما يمكن أن تحمله من سوء في الممارسة أو من صعوبة في رسم صورة للوطن تليق بالسوريين.

البعد الأول من حقيقة الوضع في سورية:
في الحقيقة ما كان لنظام الاستبداد أن يستمر لولا الثقافة الاستبدادية المتأخرة الموجودة في المجتمع السوري بكافة حيزاته ومستوياته، وهذه الثقافة تجد تجلياتها في ميادين عديدة: في علاقة الأب بأبنائه، وعلاقة المعلم بالتلميذ، وعلاقة الرجل بالمرأة، وعلاقة الكبير بالصغير، وعلاقة رجل الدين بالناس، وعلاقة رئيس الحزب بأعضاء الحزب، وعلاقة شيخ القبيلة بأتباعه…. إلخ. فجميع هذه العلاقات سلطوية ولا تنتج إلا ثقافة استبدادية تشكل الأرضية الملائمة والتربة الخصبة لظهور نظام سياسي قائم على الاستبداد والفساد.
هذا يعني أن السوريين، بشكل أو بآخر، يتحملون مسؤولية وجود النظام السوري واستمراره، ويتحملون بعض المسؤولية عن القيح المرافق لثورتهم، وبالتالي عليهم أن يعيدوا النظر بكل ما من شأنه إعادة إنتاج ظواهر الاستبداد والتشبيح في الدولة والمجتمع مستقبلاً، وهذا عمل طويل ويحتاج إلى استراتيجيات وبرامج عمل حقيقية على مستوى التربية والتعليم والمجتمع المدني والسياسة، وحتى على مستوى المؤسسة الدينية.

البعد الثاني من حقيقة الوضع في سورية:
الثورة كالعمل الجراحي، يرافقها أو يتبعها اختلاطات. وهذه الاختلاطات الكريهة أو المربكة تتبع في شدتها وقوتها وسوئها درجة سوء النظام الذي قامت ضده هذه الثورة، فإذا كان النظام القائم على درجة عالية من السوء فإن الثورة التي تقوم ضده ستحتوي من المساوئ والأخطاء و”القيح” ما يعبِّر عن الخراب الذي أدخله هذا النظام في المجتمع.
فالأخطاء التي رافقت الثورتين التونسية والمصرية تدلّل على طبيعة النظام السياسي الذي حكم في كل من تونس ومصر أصلاً، وبالمقارنة مع أخطاء الثورة السورية نستنتج ببساطة مستوى الانحطاط الشديد للنظام السوري مقارنة بالنظامين التونسي والمصري. بالتالي فإن الأخطاء في الثورة السورية ليست دلالة على سوء في الثورة بقدر ما هي دلالة على درجة بشاعة النظام الذي حكم سورية لنصف قرن.
لا يزال العراقيون إلى اليوم يعانون من مساوئ نظام صدام حسين رغم مضي عشرة أعوام على رحيله، وأضيفت إليها قذارات النظام العراقي الحالي، فالأنظمة السياسية لا تموت بالسكتة القلبية، كما لا تبنى الجديدة منها بفعل سحري.
الثورة تقدِّم فرصة للتطهر من أخطاء وقذارات الماضي، وهذا لا يحدث –إن على مستوى الفرد أو المجتمع- بين ليلة وضحاها، أي لا يحدث بمجرد الانضمام للثورة، أو حتى بانتصارها، بل ستكون لحظة الانتصار كلحظة الولادة التي يبدأ معها عمل وبناء جديدان. وفي الطريق إلى انتصار الثورة، وبعد انتصارها، سيخرج إلى السطح كل العفن والقذارات التي زرعها نظام الحكم في مجتمعنا عبر نصف قرن من الزمان.
الأخطاء الحاصلة في الثورة لا تهين الثورة أو تقلِّل من شأنها، بل هي إدانة للنظام ذاته. هذا ليس تبريراً لأخطاء الثورة كما يعتقد البعض بل تفسيرٌ لها، كما لا يعني السكوت عن هذه الأخطاء، بل ينبغي فضحها ونشرها على الملأ، وهذا هو الفعل الثوري الحقيقي، أي التخلص من أدران النظام وماضيه وبناء المواطن الجديد، فالثورة ليست لافتة نرفعها أو شعاراً نصدح به، بل هي فعل هدم وبناء متلازمين.
من المهم أن يكون التخلص من “القيح” على جدول أعمال الثورة في كل لحظة، وهنا لابد أن تكون نظرتنا لأنفسنا وتاريخنا وتجاربنا وممارساتنا موضع نقد وتصويب بشكل دائم استناداً لرؤية البعدين المتلازمين لأسباب هذا “القيح” الضار بمستقبلنا.

3- رسائل التطمين المرعبة
كل رسالة تطمين -من جانب العديد من الشخصيات وبعض أطراف المعارضة- إلى ما يسمى “الأقليات”، كانت في الحقيقة رسالة رعب، والسبب هو إما سوء الأداء في إيصال الرسالة أو عدم مصداقية صاحب الرسالة. فالرسائل التي تتحدث عن طوائف كريمة في المجتمع السوري لم تكن أكثر من رسائل مبتذلة تؤدي مفعولاً عكسياً، لأنها تعبِّر في العمق عن منطلق طائفي في النظر للسوريين لا عن منطلق وطني.
إن مجرد اقتناع البعض بأن من واجبهم تقديم رسائل التطمين للآخرين يعني أنهم ينظرون لأنفسهم بأنهم أصحاب فضل وحق، فيما الآخرون ليس عليهم إلا الفرح برسائلهم “المطمئِنة”. كذلك، إن مجرد اقتناع البعض أنهم بحاجة لرسائل تطمين من الآخرين يعني أنهم ينظرون لأنفسهم بأنهم مواطنون هامشيون، فيما الآخرون –أصحاب الرسائل- هم أصحاب البلد.
الخطاب الوحيد المقبول هو الخطاب الوطني، ولا فرق بين سوري وآخر إلا بالكفاءة والعمل للصالح العام، أي لصالح الوطن السوري والشعب السوري. وهذا الخطاب الوطني يفترض به ألا يخضع لأي ابتزاز من أي نوع كان، ويكفيه الحفاظ على جوهره الوطني والعمل في الاتجاه الصحيح.

4- تحرير الطائفة العلوية
يخطئ من يعتقد أن النظام السوري هو نظام طائفي خاص بطائفة دينية ما، فهو ليس نظام الطائفة العلوية أو نظام حكم الطائفة العلوية، لأنه لم يكن يوماً نظاماً في خدمة الطائفة العلوية.
بل على العكس، كانت الطائفة العلوية ممسوكة أو مأسورة -ولا تزال- من قبل النظام الذي منع عبر نصف قرن عملية تشكل الهوية الوطنية السورية الجامعة. بمعنى آخر لم يكن نظام الحكم مسيطراً عليه من جانب العلويين، أي لم يكن نظام الحكم رهن إشارة العلويين أو الطائفة العلوية، إنما كان العلويون محتجزين كرهائن بيد نظام الحكم، وسنكتشف مع الزمن أنهم كانوا الأكثر تضرراً طوال أربعين عاماً.
النظام السوري هو المولِّد الأساسي للتفكير الطائفي والمصدر الأول للممارسات الطائفية، فيما المصادر الأخرى تختص بها بعض أطراف المعارضة غير العاقلة التي تتعامل مع سلوك النظام بردود أفعال رخيصة وغير متوازنة.
هذا يعني أن جميع الطوائف الدينية في سورية لم تكن في يوم من الأيام مصدراً للطائفية، وهي بريئة من كل الممارسات الطائفية، بينما كان المستوى السياسي (نظام الحكم وبعض أطراف المعارضة) هو المسؤول عن جر المجتمع السوري برمته إلى ما لا يريده.
لذا تصبح إحدى مهام الثورة السورية، وفي سياق إعادة بناء الهوية الوطنية، هي تحرير الطائفة العلوية من أسر النظام الحاكم، فالدمج بين النظام الحاكم والطائفة العلوية هو خطأ سياسي قاتل، فضلاً عن كونه خطأ إنسانياً وغير أخلاقي!!

5- خطاب السلاح
ثمة خطاب سياسي ساذج يرتكز إلى، وينطلق من مقولة واحدة هي “نريد السلاح..أعطونا السلاح”، بعد أن استنفد خطاب “نريد التدخل العسكري” أغراضه وحيويته. ليس هناك “ملامة” أن يأتي مثل هذا الخطاب على لسان البشر العاديين الذين يعيشون الألم والدم في كل لحظة، لكن المؤسف هو عندما تأتي هذه المطالبات على لسان العديد من شخصيات المعارضة المتنطعة للتعبير سياسياً عنهم.
لدى الساسة العقلاء السياسة هي الأساس والعنف استثناء. ليس هناك رجل سياسي عاقل ينادي بالعنف حتى لو كان في الواقع يستخدم شيئاً منه. هذا يعني أن السياسة ينبغي أن تكون حاضرة دائماً وأبداً، لا أن تزاح لمصلحة خطاب السلاح، فالعنف جزءٌ من السياسة، فضلاً عن كونه اضطرارياً وليس مبدأ في الحياة السياسية، وليس من الحكمة أبداً اختزال السياسة بالعنف والسلاح.
إن علاقة السياسة بالعنف تماماً مثل علاقة الحركة بالسكون في الفلسفة، فالحركة مطلقة ودائمة فيما السكون نسبي ولحظي (أي كل شيء متحرك في هذا الكون من الأزل وللأبد، ولحظات السكون التي يمر بها هذا الشيء نسبية ومؤقتة واستثنائية). يفترض بالسياسة أن تكون هي المطلق والدائم، فيما العنف هو النسبي والاستثناء، أما أن يصبح العنف هو المسيطر والسياسة هي لحظة مؤقتة وقصيرة، فهذا لا يعني إلا التخلي في المآل عن العقل.
من دون إدراك هذه البديهيات سيظل العالم السياسي ينظر إلينا بعين الشفقة بحكم شقائنا وبؤس تفكيرنا.

و- طبيعة الحراك الشعبي وتطوراته
ما يحدث في سورية منذ آذار 2011 هو ثورة حقيقية ضد نظام مستبد وفاسد، وأسباب هذه الثورة موجودة منذ زمن بعيد في الميادين كافة، في السياسة والاقتصاد وأحوال المجتمع. وما حدث في درعا كان بمثابة أسباب قريبة أو مباشرة لهذه الثورة، وقد حمل شعارات هذه الثورة مجموعة من النشطاء المدنيين، ونعرف جميعاً كيف حاول النظام بكل قدرته تحييدهم عبر القتل أو الاعتقال من أجل ترك الشارع الثائر دون بوصلة أو توجهات واضحة.
لكن عندما نتحدث عن حركة شعبية على مدار أكثر من ثلاثة أعوام من الطبيعي أن يكون هناك تعديلات تصيبها في بنيتها وتوجهاتها، مصدرها إما ذاتي أو موضوعي بحكم الظروف السياسية والميدانية التي تحيط بها.
حدث تطور سلبي عندما دخلت القوى السياسية على خط الثورة وبدأت تنقل إليه عاهاتها وأمراضها ومصالحها، وقد تجلى ذلك في رفع شعارات أيديولوجية في أماكن عدة، وتسييس عمليات الإغاثة بحيث تصل أموالها لفئات دون غيرها. وهنا أصبحنا أمام بوادر لانقسام الحراك الشعبي بين تيارات مختلفة. وقد لاحظنا أن التيار الإسلامي عموماً كان ولا يزال متعجلاً لتصدر المشهد السياسي في الثورة، وهذا خطأ سياسي كبير.
كذلك ساهم ارتفاع وتيرة عنف النظام وتجاوزه لكل الخطوط الحمر، ومحاولته إضفاء طابع طائفي لعنفه ضد المتظاهرين في ظهور ردات فعل لدى بعض الشرائح التي استجابت تحت سياط العنف للعبة النظام. وفضلاً عن ذلك قام النظام بإطلاق سراح الكثير من الجنائيين والجهاديين المتطرفين كي يدخلوا في الحراك الشعبي ويساهموا في تشويه صورته من جهة، ودفع السوريين لاتخاذ موقف سلبي من العسكريين المنشقين عن طريق نسب ما يقوم به الجنائيون إلى الجيش الحر.
صحيح أن بعض أجزاء الحراك الشعبي أخذت تصدِّر خطاباً دينياً، لكن الصحيح أيضاً أنه عندما تترك شعباً ما وحيداً وأعزل تحت نيران نظام لا يرحم، ويحوِّل حياته كل يوم إلى جحيم، فإن هذا الشعب سيلجأ بالضرورة إلى ما يعينه على التحمل بحسب ما ورث من ثقافته وعاداته. من جانب آخر، لقد نمت توجهات الناس وقناعاتهم عموماً في ظل بيئة سياسية-ثقافية مسيطر عليها بشكل مطلق من النظام، فالنظام امتلك، لمدة نصف قرن، الأرض السورية وما عليها، وأجهزة الدولة والجامعات والمدارس والإعلام والجوامع وغيرها، وبالتالي من البديهي القول أن الثقافة السائدة في المجتمع السوري هي من إنتاجه بشكل مباشر أو غير مباشر. وقد أظهرت الثورة هشاشة ثقافة النظام “العلمانية” التي لم تلامس إلا السطح، وسرعان ما رمى بها السوريون، وليظهر أن النظام وحزبه الحاكم لم يكونا إلا على شاكلة أي نظام سلفي في العالم. ويمكننا هنا أن نلاحظ مثلاً، كيف أن المسيحيين في سورية بعد ثورة 8 آذار قد عوملوا كمواطنين من الدرجة الثانية دستورياً، وبالتالي مواطنياً، فيما كانوا في بدايات القرن العشرين وحتى فترة الاستقلال هم رواد النهضة والفكر والسياسة في البلد.

ز- آلية عمل النظام
لا شك أن الطريق قد ضاقت أمام النظام خلال فترة الثورة، فهو بالتأكيد ليس بوضعيته التي كان عليها قبل الثورة، إلا أنه بحكم طبيعته وبنيته سيستمر حتى النهاية في خياره ومقولاته، ولن يتراجع عنها، فضلاً عن أنه لا يمتلك القدرة والإرادة اللازمين لحل سياسي يحقق مصلحة البلد والشعب. بالمقابل يمكن القول أن المعارضة المسلحة قد تقدمت نسبياً على الأرض، لكن لم يحدث إنجاز حقيقي في مستوى المعارضة السياسية التي تحولت تدريجياً لتصبح عبئاً على الثورة لا نصيراً وداعماً لها. خيار المعارضة المسلحة هو بالضرورة رهن الدول الداعمة، وهذه الأخيرة رهينة الموقف الأمريكي الغامض والمتردد من حيث ازدياد مستوى الدعم أو محاصرته. أما المعارضة السياسية فإنها لا زالت تائهة ومشتتة ولا تبعث على الطمأنينة، إن كان في نفوس السوريين أو على المستوى الدولي.
خيار النظام واضح ومحدد منذ اليوم الأول للثورة، ولم يتغير، ولن يتغير، ولا يستطيع أن يغيره حتى لو توافرت الإرادة في لحظة ما، لأن التغيير هنا معادل لموت النظام. بالتالي كل المبادرات التي طرحت، أو يمكن أن تطرح، لا تخدم إلا التشويش وكسب الوقت.
لكن خيارات النظام تحتاج إلى خطة دائمة التجدد استناداً للظروف والتوازنات المتغيرة، فكيف يفكر النظام، وما هي مرتكزات خطته اليوم سياسياً وإعلامياً واقتصادياً وعسكرياً؟
لا يزال النظام يعتقد أنه في المآل سيُخضِع الثورة، ومن ثم سيعيد البلد إلى سابق عهدها، ومن ثم يقوم حسب مزاجه بتقديم رتوشات تجميلية تُظهره أنه صاحب رؤية إصلاحية، وأن الثورة لم تكن إلا تخريباً ومؤامرة، ليتفرغ بعدها لترميم ووصل علاقاته الخارجية، لكننا نعتقد أنه واهم، وما عاد بالإمكان العودة للوراء.
كان النظام واعياً لعدة نقاط في التعامل مع الحراك الشعبي منذ البداية، فقد سعى لمنعه من تحقيق التواصل بين أجزائه ومكوِّناته في كل مدينة، كي لا تكون هناك إمكانية لتشكيل تمثيل حقيقي للثورة. وكان يرى أن التواصل الافتراضي لا يمكن له في المحصلة إلا أن يكون افتراضياً تشوبه الكثير من العيوب، وفي هذا السياق سعى للتخلص من النشطاء المدنيين الذين حملوا شعارات هذه الثورة في الأشهر الأولى من أجل ترك الشارع الثائر دون بوصلة أو توجهات واضحة. كما كان متيقناً أنه قد سحق قوى المعارضة السياسية خلال العقود الثلاثة المنصرمة، بما يجعل أداءها هزيلاً ومثيراً للشفقة. وبالتالي ستكون الحصيلة بقاء الثورة دون قيادة سياسية موحدة تطرح مشروعاً وطنياً جامعاً.
كان واضحاً أيضاً منذ البداية أن النظام لن يعترف بأن ما يحدث في سورية هو ثورة، لأن هذا ببساطة ينزع “شرعيته” المزعومة، لذلك اعتمد خطاباً إعلامياً يقوم أساساً على تشويه الحراك الشعبي، من حيث توصيفه بالمؤامرة والسلفية والتطرف. لقد عمل النظام على إسباغ سمات الحركة الإخوانية على الحراك السوري منذ البداية، وقد ساعده الإخوان المسلمون بشكل غير مباشر في ذلك، عبر تصدرهم للفضائيات بحكم علاقاتهم الخارجية الواسعة، وامتلاكهم للمال الذي سمح لهم بالاستئثار بالمواقع الأساسية في مجالس وهيئات المعارضة، رغم تواجدهم الضعيف كغيرهم في الداخل السوري. كما تلقى النظام مساعدة أخرى من بعض الأصوات الطائفية والثأرية التي لم تكن لتمتلك أي رصيد شعبي لولا العنف المقنَّع طائفياً من قبل النظام، ويمكن القول أن بعض الأصوات المعارضة الطائفية قد قدمت له فائدة كبيرة تفوق قناة الدنيا أضعافاً مضاعفة.
ويظهر واقعياً أن النظام أسند لمواليه ومحازبيه العمل استناداً إلى القاعدة: “تصرفوا بشكل طائفي كي تدفعوا الآخرين للرد بشكل طائفي، ومن ثم تكون النتيجة انفضاض بقية المجتمع عن الثورة وأصحابها”. يضاف إلى ذلك سعي النظام الحثيث لكسر تفوق الثورة الأخلاقي عليه، عبر دفع المعارضين لارتكاب الجرائم ولو بالحدود الدنيا، فهذا يفيده في تشويه صورة الثورة، ويعينه على تشكيل رأي عام في الداخل والخارج يستند إلى تفضيل بقاء النظام طالما أن الطرفين يرتكبان الجرائم ومتساويان في الرذيلة. كما يعينه ذلك على الإفلات من إطار المحاسبة القانونية طالما أن الجريمة أصبحت معممة والجميع تلوثت أياديهم بها. وللأسف يساعده في ذلك بعض المنفعلين بحكم ما ذاقوه من قتل وتدمير على يد قواته ومواليه، فقد ساهم عنف النظام الذي تجاوز جميع الخطوط الحمر، والطابع الطائفي المغلِّف لهذا العنف في ظهور ردات فعل لدى بعض الشرائح التي اندرجت في لعبة النظام بحكم الألم والدم والقهر.
وكان من ركائز النظام أيضاً وضع خيار تحويل البلد إلى “خرابة” وإشاعة الفوضى أمام السوريين، ونشر هذا في إعلامه وممارساته، واتضح جلياً في شعارات على شاكلة: “الأسد أو نحرق البلد”، “الأسد أو لا أحد”. وبالطبع هذا عنصر أساسي في تفسير الموقف الصامت أو الحيادي للكثيرين في المجتمع السوري، فالتخوف من الفوضى والحرب الأهلية وحالة عدم الاستقرار يشكل العنصر الأبرز في تردد كتل واسعة إزاء المساهمة في الحراك الشعبي، رغم عدم ثقتها بالنظام وتقييمها له كنظام استبدادي وفاسد.
في الجانب العسكري سيسعى النظام على الدوام إلى إحكام قبضته وسيطرته على دمشق تماماً، لأن ذلك يساعده في الحفاظ على جزء من الهيبة المفتقدة لدى محازبيه وأنصاره، فدمشق هي مركز هيبة النظام ولا يمكنه التهاون فيها. لكنه بالمقابل سيعمل على أن يكون حاضراً من الناحية العسكرية في جميع المدن والبلدات. وفي هذه الأثناء يقوم النظام وحلفاؤه بتضخيم قوة الجيش السوري الحر، وإظهاره كجيش نظامي مدعوم بالعتاد والمال من قبل دول عدة، وتساعده في ذلك بعض الاستعراضات التي يقوم بها بعض عناصر هذا الجيش، إلى جانب محاولاته في تخويف العالم من التطرف والجماعات الجهادية، وهو يتلقى المساعدة في ذلك من جانب هذه الجماعات ذاتها بشكل أو بآخر.
الأهم من ذلك كله، هو اختزال الثورة السورية في أذهان الرأي العام، في الداخل والخارج، إلى الجماعات الجهادية و”الجيش الحر”. إن الحكمة تقتضي عدم اختزال الثورة بـ “الجيش الحر”، فهذا ظلم شديد للثورة من جهة، وخطر كبير على أهدافها الحقيقية واستمراريتها. كما تتطلب الحصافة أيضاً استمرار النظر إلى “الجيش الحر” على أنه كان طريقاً إجبارياً ولم يكن خياراً مبدئياً للثورة، والحذر من طغيان خطاب العسكرة على الخطاب السياسي والمدني.
كما ينبغي عدم نسيان أن للنظام خبرة هائلة في لبنان، فقد أمضى ثلاثة عقود يدير الخلافات والنزاعات والحروب بمختلف صنوفها وأشكالها، وبالتالي فهو يمتلك الاستعداد النفسي والعسكري للاستمرار بالطريقة ذاتها في سورية ردحاً طويلاً من الزمن، خاصة أنه لا يكترث لأرواح من يقتلون سواء من أهل الثورة أو من الحياديين أو من الجيش النظامي أو الأجهزة الأمنية.
أما على الصعيد الدولي، فتتركز خطة النظام على القبول اللفظي بالمبادرات السياسية طالما لا تؤدي لسقوطه أو تشترط تغيير رموزه، فهذه المبادرات توفر له غطاء دولياً للتمادي عملياً في عملياته العسكرية من جهة، وتقدِّم لروسيا والصين وإيران فرصة دائمة للمناورة على المستوى الدولي بما يخدم عدم تغيير الوضع في سورية.
وإذا ضاقت خيارات البقاء في لحظة معينة، يمكن للنظام أن يوسِّع دائرة الأزمة إلى البلدان المجاورة، ويهدِّد جدياً بفرض حالة معمَّمة من الفوضى، كأن يسعى – مع شركائه السياسيين كإيران وحزب الله – لزعزعة الأوضاع الهشة في لبنان والعراق، أو في دول الخليج، أو على الحدود مع تركيا، وليلعب في المآل لعبة مقايضة مساعدته في إحداث الاستقرار مقابل بقائه واستمراريته.
هل يمكن إنشاء مسارات أخرى للواقع غير تلك التي يسعى النظام السوري لرسمها؟ باعتقادنا نعم. لكن هذا يحتاج قبل كل شيء إلى التفكير الجدي ورسم الخطط والاستراتيجيات ووضع الاحتمالات الأسوأ كمنطلق في المواجهة.

ح- إمكانية الحل التفاوضي والمبادرات السياسية المطروحة
لا يمتلك النظام السوري لا النية ولا القدرة على السير في حل سياسي. فالنظام الاستبدادي في طبيعته مغرور ولا ينظر لسورية والسوريين إلا من زاوية بقائه، وعندما يطرح مقولة “الحوار” فهو لا يعني من خلالها أبعد من جلب الآخرين إلى ساحته ووضعهم تحت خيمته واندراجهم في الآليات التي شيَّدها على مدار أربعين عاماً، مع إجراء بعض التعديلات التي لا تمس بجوهر النظام، ولا يزال يعرض الحوار بمنطق أنه صاحب البلد، والآخرون مجرد ضيوف عليه.
لا يستطيع النظام، حتى لو أراد، الذهاب نحو حل سياسي حقيقي وجدي، لأن ذلك متخارج مع طبيعته وبنيته، فأي حل سياسي جدي كفيل بهدم كل أركان النظام. فالحوار الحقيقي والتعددية والاعتراف بالآخر وحقوق الإنسان والجماعات، كلها غير واردة في قاموسه، وليس لها دلائل أو نقاط ارتكاز في كل تاريخ النظام، بالتالي هو لا يتقن التعامل مع ظاهرة الاحتجاج الشعبي إلا بالقتل والاعتقال والتعذيب والتشريد وهدم البيوت والتشهير بالمعارضين وتشويه أي تحرك شعبي، وهو لا يريد من المجتمع السوري إلا أن يكون متفرجاً وصامتاً ومباركاً لكل ممارساته.
تشكل المبادرات السياسية المطروحة لحل ما يسمى “الأزمة” (مبادرة الجامعة العربية وكوفي عنان وجنيف) جوهر أي حل سياسي في سورية، مع ضرورة التوافق بالطبع على طبيعة المرحلة الانتقالية وملامح سورية المستقبل بين القوى السياسية والمجتمعية والاقتصادية. بالتالي فالمعارضة معنية بإظهار نفسها أنها تريد إنجاح هذه المبادرات، رغم معرفتنا أن النظام لن يلتزم، لأنها ببساطة ستؤدي إلى سقوطه، لكن من الحكمة أن يصل العالم إلى القناعة التامة أن المعرقل الوحيد لهذا الحل هو النظام السوري. على كل حال هذه المبادرات هي ما قدمه العالم لنا في هذه اللحظة السياسية، والواضح أن هناك توافقاً دولياً وعربياً حولها، وبدلاً من شتم العالم والعرب، على المعارضة القيام بكل ما من شأنه فضح كذب النظام وخرقه للمبادرات من جهة، وتقديم المساعدة في المستويات كافة للمتظاهرين والثوار والنشطاء لتوسيع رقعة تواجدهم وتغيير ميزان القوى الداخلي لمصلحتهم أكثر فأكثر من جهة ثانية.

ط- آفاق المستقبل القريب
إن أبرز ما يميّز الوضع السوري اليوم هو الاستعصاء وعدم وجود آفاق واضحة. لا السلطة ولا الحراك الشعبي السلمي والعسكري قادران على الحسم، في حين يتزايد تدهور الوضع السياسي والأمني والمعيشي والاقتصادي.
في السياسة كل شيء محتمل، وما يزيد إمكانية انتصار احتمال على آخر هو الظروف الموضوعية وإرادات البشر. بالنسبة للنظام السوري، نرى أنه أصبح خارج التاريخ، ولذلك ستلفظه قوانينه، بما يعني أن مسألة زواله هي مسألة وقت يطول أو يقصر، وقد تحدث في السياسة والواقع ظروف تؤخر زواله، لكن تعود قوانين التاريخ وتتحكم بالسياسة والوقائع. هذا الرأي لا يعني أننا نغلِّب رغبتنا وآمالنا، بل لأن النظام في الواقع سقطت كل مقولاته الأيديولوجية، وذهبت إلى غير رجعة مقولة الحزب القائد للدولة والمجتمع، ومقولة “إلى الأبد”، وذهبت مع الثورة كل عناصر الخوف التي زرعها النظام في السوريين، وتكشَّف النظام عن مجرد طغمة مستبدة وفاسدة، ولا يمكن لنظام سياسي أن يستمر إن كانت شرعيته مستمدة فحسب من عناصر القوة العسكرية والأمنية.
لن يستطيع النظام الاستمرار، فقد خلق شروخاً هائلة داخل المجتمع، والسبيل الوحيد الذي يمكنه تحقيق السلم الأهلي والمصالحة الوطنية هو تطبيق برنامج العدالة الانتقالية، وغير ذلك فإن آلية الحقد والانتقام ستكون هي السائدة في المجتمع.
نعتقد أن الصامتين مقتنعون بهذا التوصيف، إلى جانب قسم لا بأس به من الذين كانوا موالين للنظام، فهم فقدوا الثقة به، ويرون أنه جرَّهم، بسبب غبائه وغروره على أقل تقدير، إلى وضع يُظهرهم فيه أنهم داعمون لسياساته في القتل والتعذيب.
وهنا يأتي السؤال الهام: كيف يمكن أن يرحل النظام بأقل خسائر ممكنة على الدولة والمجتمع، بحيث لا يكون مسار البلد هو الفوضى في حال رحيله، والإجابة عليه هي مهمة كل السوريين، بخاصة القوى السياسية الوطنية.

+سابعاً: برنامج العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية

أ- مفهوم العدالة الانتقالية
للعدالة الانتقالية في الحالة السورية معنى خاص، يضاف إلى معانيها العالمية، وذلك بحكم تعقيد الوضع السوري ومستوى العنف الممارس من النظام والتدمير الذي خلقه في المستويات كافة، سواء قبل الثورة أو بعدها، وبحكم وجود انتهاكات من أطراف أخرى ظهرت كرد فعل على سياسات النظام، لكنها أقل عدداً ومستوى بوضوح.
ربما لا نبالغ إن قلنا إن العدالة الانتقالية هي حجر الأساس لبناء نظام تعدّدي ديمقراطي يرسي دولة القانون والمؤسسات، وهي الضامن الرئيسي للقطع مع الماضي وتجنيب البلاد أيّ نزعة للانتقام أو التشفّي، فالمسألة تتجاوز مجرّد العدالة لتشمل إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن. إنها برنامج للتحول السلمي لمجتمع تعرض للاستبداد الشامل والتخريب الطائفي والعرقي والانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان إلى مجتمع تسودة الديمقراطية واحترام حقوق الانسان، من خلال عملية إزالة آثار حقبة الاستبداد وإعادة التوازن داخل المجتمع، باعتبارها الدافع لتلاحم الجميع من أجل بناء الدولة الجديدة. إذ تؤدي تلك الانتهاكات إلى فقدان التوازن داخل المجتمع، ولا يمكن البدء ببناء مجتمع جديد دون إعادة التوازن إليه عبر التعامل مع الماضي بواسطة آليات العدالة الانتقالية. وهذا التعاطي مع الماضي لا يعني بالتأكيد الانتقام أو الثار، بل إن هذه الظواهر لا تأتي إلا بسبب عدم معالجة الماضي وغض الطرف عن تحقيق العدالة.

ب- استراتيجيات وآليات تحقيق العدالة الانتقالية
يهدف أي برنامج لتحقيق العدالة الانتقالية عادة إلى وقف الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان، التحقيق في الجرائم الماضية، تحديد المسئولين عن انتهاكات حقوق الإنسان ومعاقبتهم، تعويض الضحايا، منع وقوع انتهاكات مستقبلية، الحفاظ على السلام الدائم، المصالحة الوطنية. ولتحقيق هذه الأهداف يمكن اتباع الاستراتيجيات التالية، مع ملاحظة أن هذه الاستراتيجيات لا تعمل بصورة منفصلة عن بعضها البعض، إنما تعمل وفق رؤية تكاملية فيما بينها:
1- المحاكمات: والتحقيق في الجرائم بموجب القانون الدولي الملزم لكافة دول العالم ومحاسبة المسئولين عنها وفرض عقوبات عليهم، ولا يشترط أن يتم ذلك في محاكم دولية مثل المحكمة الجنائية الدولية مثلاً، ولكن يمكن تطبيقها في محاكم محلية أو وطنية.
2- لجان الحقيقة: وهي هيئات غير قضائية تجري تحقيقات بشأن الانتهاكات التي وقعت في الماضي القريب، وإصدار تقارير بشأن سبل معالجة الانتهاكات والترويج للمصالحة، وتعويض الضحايا، وتقديم مقترحات لمنع تكرر الانتهاكات مستقبلاً.
3- تعويض الضحايا وجبر الأضرار: ويشمل ذلك التعويض المادي والمعنوي المباشر عن الأضرار، ورد الاعتبار للضحايا، واستعادة ما فقد، إن أمكن.
4- الإصلاح المؤسسي: ويعتبر أحد الآليات التي تحتاجها البلدان الخارجة للتو من قمع الديكتاتوريات خاصة، وذلك عبر إصلاح المؤسسات التي لعبت دوراً في الانتهاكات (المؤسسات العسكرية والشرطية والقضائية)، فضلاً عن التعديلات التشريعية والدستورية.
5- إقامة النُصُب التذكارية وإحياء الذاكرة الوطنية الجماعية: كآلية لإحياء ذكرى الضحايا والتأكيد المستمر على عدم الوقوع في الأخطاء ذاتها مرة أخرى، ورفع مستوي الوعي الأخلاقي بشأن جرائم الماضي.

ج- تطبيق العدالة الانتقالية في سورية
يختلف تطبيق العدالة الانتقالية من مجتمع لآخر تبعاً للظروف الخاصة، لكن فكرة العدالة الانتقالية تقوم على أساس تحقيق العدالة مهما كانت المصاعب والمبررات.

يمكن التأكيد على النقاط التالية في سياق تطبيق العدالة الانتقالية في سورية بالاستفادة من التجارب العربية والعالمية:

1- أهمية السياقات الوطنية في تحديد مسارات العدالة الانتقالية، أي أهمية الاعتماد على الطاقات المحلية قدر الإمكان.
2- الترابط القوي بين العدالة الانتقالية والتحول الديمقراطي وأهمية توفر الإرادة السياسية؛ والتأكيد على أهمية النظر إلى العدالة الانتقالية ليس كآلية لمعالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان فقط بل وكآلية للتغيير نحو الديمقراطية.
3- حيوية دور الفاعلين السياسيين في الانتقال الديمقراطي.
4- مرتكزات العدالة الانتقالية المتمثلة في الكشف عن الحقيقة وجبر الضرر والمساءلة والمصالحة الوطنية وحفظ الذاكرة وعدم تكرار ما جرى…
5- أهمية دور الضحايا في إنجاح تجربة العدالة الانتقالية.
6- حيوية الدور الذي يمكن أن تلعبه الجمعيات المدنية في صيرورة العدالة الانتقالية.
7- أهمية الحوار بين النخب والمكونات السياسية في المجتمع كخطوة نحو الانخراط في صيرورة العدالة الانتقالية. الدخول في حِـوار مع المجتمع، وخاصة من كانوا ضحية للنظام الاستبدادي السابق والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وضحايا الفساد، للتوصل إلى تحديد دقيق للمطالب والأولويات مع شرْح حقيقة استِـحالة تطبيق كل آليات العدالة الانتقالية في الوقت نفسه وبشكل سريع.
8- إن تحقيق العدالة الانتقالية يمثِّـل عملية تدريجية تستغرِق سنوات.والمُـهمّ في تطبيق آليات العدالة الانتقالية، تحديد الآلية التي يراها المجتمع أولوية قصوى ثم التي تليها في الأهمية، بشرط أن يظلّ الباب مفتوحا أمام استكمال كل الآليات اللازمة لتحقيق العدالة الانتقالية وضمان زوال أسباب انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت في الماضي.
9- أهمية الإصلاح السريع لبنية وتركيبة ونظم الجهاز القضائي، ولمكونات وصلاحيات الأجهزة الأمنية والرقابة المدنية المفروضة على تلك الأجهزة خلال الفترة الانتقالية.
10- تشكيل لجنة المصالحة الوطنية التي يمكن أن يكون لها دور فاعل في تفكيك النظام القديم وإعادة الوئام والسلم ضمن المجتمع، خاصة في حال تحول النزاع الى مكونات المجتمع القومية أو الدينية أو الطائفية.
11- أهمية الوقوف ضد الدعوات التي تقول بحل حزب البعث الحاكم في سياق الدعوة لإسقاط النظام، لأن ذلك بمثابة إعادة تأسيس لمبدأ الحظر السياسي الذي طالما عانت منه مختلف الجماعات السياسية في سورية.

د- العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية في سورية
تشمل المصالحة الوطنية الإجراءات والعمليات التي تكون ضرورية لإعادة بناء الهوية الوطنية على أسس شرعية وقانونية وديمقراطية. ويمكن القول إن المصالحة الوطنية هي أحد أهداف العدالة الانتقالية، وتكتسي هذه العملية أهمية شديدة في بلد متعدد الإثنيات والطوائف كسورية، خاصة وأن النظام الاستبدادي قد عزز التحاجزات بين مكونات المجتمع السوري.كما تكتسي أيضاً أهمية خاصة في سورية بحكم التراكم الكبير للانتهاكات بحق السوريين، أي انتهاكات نظام الأسد الأب ومن ثم نظام الأسد الإبن، وصولاً للانتهاكات الخطيرة منذ بداية الثورة السورية في مارس 2011 وحتى الآن. فالمجتمع السوري حتى الآن لم يتخلص من آثار انتهاكات النظام وجرائمه خلال عقد الثمانينيات. فقد اتسعت آنذاك ظاهرة الإعدام دون محاكمة عادلة، وتجاوز عدد المفقودين الخمسة عشر ألفاً، وصدرت أحكام مجحفة بحق المعتقلين السياسيين لا تتوافق مع الحد الأدنى للمعايير الدولية لمبدأ المحاكمات العادلة، وترافق ذلك مع موجة عنفٍ اجتاحت الكثير من المدن والقرى السورية، كما ارتكب في تلك الفترة عدد من المجازر كان أبرزها في مدينة حماة، التي كان عدد ضحاياها ما بين 30-40 ألفاً.

ه- الإعداد المطلوب للمرحلة الانتقالية
في ضوء التغيرات والتحديات الراهنة في سورية خلال المرحلة الانتقالية المحتملة، من الممكن اليوم إطلاق برامج تدريبية لدراسة سياسات المرحلة الانتقالية في سورية، والتي ينبغي أن تُركز على إبراز السياسات العامة التي يُمكن أن تتبعها أو تسترشد بها الحكومة الانتقالية القادمة ونشطاء المجتمع المدني وغيرهم من السياسيين والمهتمين بالشأن العام السوري من أجل أن تكون السياسات الإصلاحية في الفترة الانتقالية وما بعدها مبنية على معلومات صحيحة ومعتمدة على آلية بحثية علمية:
1- سيادة القانون: الإصلاح القضائي والدستوري والقانوني، ويتضمن إصلاح قوانين الانتخابات وفصل السلطات والمشاركة السياسية وحرية الإعلام ونظام المحكمة الدستورية.
2- المصالحة الوطنية: وضع أسس من أجل المصالحة الوطنية بما يتضمن تشكيل لجان كشف الحقائق حول الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، بالإضافة إلى بحث مسألة العدالة الانتقالية وتطبيقاتها في سورية وكيفية التعامل مع الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية.
3- القوات المسلحة والأجهزة الأمنية: سياسات إعادة هيكلة القوات المسلحة وتفكيك الأجهزة الأمنية وإعادة دمج عناصر الأمن والمؤيدين المسلحين للنظام السابق في المجتمع المدني، وكذلك وضع معايير للمساءلة والمحاسبة الإدارية والقانونية التي ينبغي أن تخضع لها أجهزة الأمن المختلفة.
4- التنمية السياسية والتوعية المدنية: سياسات بناء مجتمع مدني نابض بالحياة، ودور وسائط التواصل الاجتماعية في بناء مجتمع ديمقراطي، وغير ذلك من المجالات مثل تطوير أحزاب سياسية فعَّالة ونُظم المحاسبة للعاملين في الحقل العام.

+ثامناً: رؤية للمرحلة الانتقالية

أولاً: مقدمة
لقد أدى التردد الدولي في إيجاد حل حقيقي للأزمة السورية إلى دخول سورية في نفق مظلم، وتحولها إلى ساحة صراع إقليمي ودولي. وأدى خيار السلطة الأمني واستخدامها المفرط للقوة إلى إطالة أمد الصراع واجتذاب الساحة السورية للتطرف والجهادية، وسيؤدي استمرار هذا الصراع بالضرورة إلى بروز سيناريوهات أشد ظلامية، وسيكون شعب سورية هو الخاسر.
بسبب طبيعة هذه الأزمة وتعقيداتها، فإننا نؤكد على حل الأزمة السورية حلاً سياسياً، بقصد توفير الدم السوري ووقف الهدم والتدمير المادي والاجتماعي، والوصول إلى وضع يتيح للشعب السوري أن يقرر حاضره ومستقبله.
إننا واثقون أن الشعب السوري في معظمه يؤيد حل الأزمة السورية حلاً سياسياً، وهذا يضع جميع أطراف الصراع على المحك، كما يضع على المحك أيضاً صدقية جميع الأطراف الدولية ذات التأثير على الأزمة السورية، فلنفسح الفرصة أمام هذا الحل كي يرى النور، وهذا يكون بشكل أساسي بإشراف الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، إضافة إلى الدول الأخرى المؤثرة في الساحة السورية.

ثانياً: أساس الحل السياسي ومنطلقه
نرى أن جوهر الحل السياسي المنشود يقوم على رحيل الفئة الحاكمة (رئيس الجمهورية وعائلته وقادة الأجهزة الأمنية ووزير الدفاع ورئيس الأركان، وعدد من القيادات العليا في الجيش والأمن)، وتولية مناصبهم إلى من يليهم ممن لم يتورطوا في مجازر ضد الشعب السوري. ويمكن بعدها وضع تصور للمرحلة الانتقالية بالتشارك بين جسم معارض توافقي وقوي وحكومة النظام، إذ يتيح هذا الأمر حدوث تغير في تفكير وأهداف معظم السوريين، ولن يكون هناك عقبات أمام حدوث توافق سياسي عبر التفاوض، ومن دونه ستبقى آفاق الحل السياسي موصدة سواء من خلال مؤتمر جنيف أو غيره.

ثالثاً: محددات أولية لبدء الحل السياسي
أ- التفاوض المباشر بين الجسم المعارض المعني والحكومة السورية بحضور ممثلين عن مجموعة العمل الدولية حول سورية، ويكون الطرفان مفوضين بصلاحيات كاملة.

ب- المرجعية القانونية للاتفاق: اتفاق جنيف بتاريخ 30 حزيران 2012، والقراران 2042 و2043 الصادران عن مجلس الأمن بخصوص الأزمة السورية.

ج- الغاية هي وضع برنامج تنفيذي وجدول زمني وآليات واضحة لمرحلة انتقالية، ويكون الاتفاق الذي يبرمه الطرفان ملزماً للجميع من دون الحاجة لأي إجراءات مصادقة، وتكون الدول الخمس دائمة العضوية ضامنة للاتفاق.

رابعاً: توفير علامات الثقة بالحل السياسي
1- إعلان فوري لوقف إطلاق النار مع بقاء قوات الجيش النظامي والجيش الحر وأي مجموعات مسلحة أخرى، في أماكنها، وتشكيل فريق من المراقبين الدوليين بقوام لا يقل عن 3000 مراقب مجهزين بكل ما يحتاجونه للقيام بعملهم بشكل فعال لمراقبة التزام جميع الأطراف بوقف إطلاق النار.
2- العمل على دفع القوى والجماعات المسلحة غير السورية للخروج من سورية بمساعدة الدول الخمس الدائمة العضوية.
3- الإفراج عن كافة المعتقلين في سجون النظام السوري، وتحرير المختطفين من جانب أي مجموعات تابعة للنظام أو المعارضة.
4- إتاحة وصول الإغاثة إلى المحتاجين في كافة المناطق، والسماح للمنظمات الإغاثية الدولية بالعمل داخل سورية من أجل إيصال المساعدات الإغاثية للمحتاجين.

خامساً: المرحلة الانتقالية
أ- بالتوازي مع ما سبق يتم الإعلان عن بدء المرحلة الانتقالية بتشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات خلال ثلاثة أشهر من شخصيات مدنية وعسكرية ذات وزن من النظام والمعارضة، ويمكن أن يكون دستور عام 1950 ناظماً لعمل الهيئة، أو الدستور الحالي بعد تعطيل المواد الخاصة برئيس الجمهورية وعدد من المواد الأخرى ذات الصلة.

ب- تتولى هيئة الحكم الانتقالي إدارة البلاد، وتعلن حال تشكيلها أن هدفها هو إقامة نظام سياسي ديمقراطي تعددي تكون فيه الكلمة للشعب عبر صناديق الانتخاب ويتساوى فيه جميع المواطنين بالحقوق والواجبات بغض النظر عن الجنس والمذهب والقومية والمنطقة، كما تقوم تدريجياً بخلق مناخ مناسب في جميع المناطق، يتيح للسوريين العودة للحياة الطبيعية وعودة المهجرين.

ج- تقوم هيئة الحكم الانتقالي بتشكيل عدد من الهيئات والمجالس الضرورية لمساعدتها في عملها، وهي:

أ- مجلس عسكري أمني مؤقت:
يتألف هذا المجلس من ضباط من الجيشين النظامي والحر، إضافة إلى ضباط أمن من الطرفين، وتناط به عملية إعادة بناء الجيش وهيكلته على أسس وطنية، وتخضع له كافة القطعات العسكرية والمجموعات المسلحة، وتكون مهمته حفظ الأمن والاستقرار وعودة الأمن إلى البلاد، كما يقوم بإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية لتقوم بدورها على أساس وطني وتحت إشراف قضائي.

ب- هيئة قضائية دستورية عليا:
تقوم هيئة الحكم الانتقالي بتشكيل “هيئة قضائية عليا” من قضاة مستقلين معروفين بالكفاءة والنزاهة للرقابة على دستورية القوانين وفض المنازعات القانونية، وإصدار بعض التشريعات والقوانين التي يمكن أن تكون ضرورية خلال المرحلة الانتقالية، مثل قانون حديث وعادل للانتخابات البرلمانية.

ج- هيئة مصالحة وطنية:
تشكيل هيئة للمصالحة الوطنية تضم ممثلين عن المجتمعين المدني والأهلي مثل منظمات رجال أعمال، والمزارعين والمعلمين والأساتذة والمحامين والمهندسين والأطباء والاقتصاديين ورجال الدين والشخصيات الاجتماعية والسيدات. وتضع هذه الهيئة برنامجاً للمصالحة الوطنية وإعادة السلم الأهلي ورأب الصدع الذي أصاب لحمة المجتمع جراء الأحداث الماضية، وإطلاق نشاط واسع للمصالحة الوطنية على مستوى المحافظات والمناطق بكافة الطرق.

سادساً: نهاية المرحلة الانتقالية
تقوم هيئة الحكم الانتقالي بعد 9 أشهر على الأكثر من مباشرتها لمهامها بالتجهيز والإشراف على انتخابات لجمعية تأسيسية وفق قانون انتخابي عصري وعادل، وتجري الانتخابات تحت مراقبة دولية تضمن حريتها ونزاهتها في جميع المناطق، وتكون من مهمات هذه الجمعية إعداد دستور سوري عصري خلال مدة لا تتجاوز الثلاثة أشهر من انتخابها.
تقوم هيئة الحكم الإنتقالي بالإعلان عن انتخابات برلمانية فور الانتهاء من الاستفتاء على الدستور المقدم من الجمعية التأسيسية خلال ثلاثة أشهر بحد أقصى، والإشراف على الانتخابات الرئاسية بعد ثلاثة أشهر من الانتخابات البرلمانية، وهنا تنتهي المرحلة الانتقالية.
ملاحظات:
– لا يحق لهيئة الحكم الانتقالي عقد أي معاهدات أو اتفاقات سيادية.
– لا يحق لأعضاء هيئة الحكم الانتقالي الترشح لأي انتخابات لمدة دورة واحدة، سواء الانتخابات البلدية, أو البرلمانية, أو الرئاسية.
التحقيب الزمني للمرحلة الانتقالية:
المدة الكلية للمرحلة الانتقالية هي سنتان.
مرحلة تمهيدية: تبدأ من الشروع بالحل السياسي حتى تشكيل هيئة الحكم الانتقالي، ومدتها 3 أشهر.
مرحلة تهيئة عوامل الاستقرار: تبدأ من تشكل هيئة الحكم الانتقالي حتى انتخابات الهيئة التأسيسية للدستور، ومدتها 9 أشهر.
مرحلة الجمعية التأسيسية للدستور: مدتها 3 أشهر، يقدم فيها دستور جديد، ويجري الاستفتاء عليه.
مرحلة البرلمان الجديد: تقوم هيئة الحكم الانتقالي بالإعلان عن انتخابات برلمانية فور الانتهاء من الاستفتاء على الدستور، ومدتها 3 أشهر.
مرحلة الانتخابات الرئاسية: تشرف هيئة الحكم الانتقالي على انتخابات رئاسية بعد 3 أشهر من الانتخابات البرلمانية.